كتبت باسكال بطرس في صحيفة “الجمهورية”:
هل يُعقل أن تتكرّر الإتصالات والمفاوضات اللبنانية والإقليمية والدولية القائمة على قدم وساق لتأليف حكومة جامعة وتذليل كلّ ما يعترضها من عراقيل وأفخاخ، بعد أربعة أشهر، مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية؟ وهل يعني ذلك أنّ حكومة جامعة ستطيح الانتخابات الرئاسية؟
تختصر هذه التساؤلات، وغيرها، الهواجس المسيحية من تَبديَة التأليف على الانتخابات الرئاسية، فيما الأولوية يجب أن تُعطى في هذه المرحلة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وفي هذا الإطار، اعتبرت أوساط مسيحية أنّ المطالبة بالحكومة الحيادية لم تكن مِن عَبث، إنما المقصود من ورائها كان الإفساح في المجال أمام التمهيد لانتخابات رئاسية في موعدها الدستوري، خصوصاً أن الفترة الفاصلة بين التأليف والانتخابات الرئاسية لا تتعدى الأشهر القليلة. ولذلك، يفترض التركيز حصراً على الاستحقاق الرئاسي وتأليف حكومة بوظيفة محددة: إتمام الاستحقاق الرئاسي. وبالتالي، وفي موازاة التشديد على أنّ الحكومة الحيادية هي أفضل للبلاد في ظلّ الانقسام العمودي القائم، يتمثّل الهدف الأساس من وراء هذا الطرح في رفض إعطاء الأولوية للملف الحكومي على حساب الملفّ الرئاسي.
وقالت الأوساط إنّ مجرد قيام حكومة جامعة يتطلّب ما تطلّبَه من اتصالات ولقاءات ومحادثات عابرة للحدود، تجعل من أيّ حكومة ممكِن تأليفها أبعَد من حكومة عمرها لا يتجاوز الأشهر، وكأنّ المقصود أن تتحوّل الحكومة العتيدة، التي حازت توافقات دولية وإقليمية ومحلية، حكومة ثابتة مهمّتها ادارة المرحلة الانتقالية وتسَلّم صلاحيات رئاسة الجمهورية في انتظار التسوية الاقليمية بين جنيف السوري والنووي الايراني.
ورأت الأوساط أنَّ هذا الجهد لن يتكرّر في المبدأ، مع انتخاب رئيس جديد. لذلك، تدلّ كل المؤشرات على أنّ الأولوية تُعطى لتأليف حكومة تعكس ميزان القوى الاقليمي بين الرياض وطهران، وتجمَع بين تيار “المستقبل” و”حزب الله” على حساب انتخاب رئيس جمهورية جديد يستدعي إعادة تسخين الاتصالات من أجل معاودة التأليف. فالجميع يعلم أنّ قيام أيّ حكومة يتطلّب لحظة سياسية مؤاتية واتصالات فوق لبنانية. ولا يبدو أنّ عواصم القرار في وارد المجازفة بإطاحة حكومة تجسّد التوازن الاقليمي وتؤمن الاستقرار بحدّه الأدنى وتوفّر إدارة المرحلة. وهي، بالتالي، ستعمل على ترحيل الانتخابات الرئاسية وتفريغ رئاسة الجمهورية لمصلحة إبقاء الحكومة العتيدة خِشية من عدم القدرة على تأليف حكومة مماثلة بعد الاستحقاق الرئاسي.
وأكدت الأوساط أنّ هذا الاهتمام الدولي الاستثنائي لتأليف حكومة جامعة، فضلاً عن الجولات المكوكية لبعض السفراء الى عواصم القرار، تؤشّر الى أنّ الأولوية في هذه المرحلة هي لتجنّب الفتنة السنيّة – الشيعية أكثر من أي مسألة أخرى، في ظلّ قتال “حزب الله” في سوريا وصعود الأصوليات وتوالي التفجيرات.
وفي هذا السياق، لا بدّ من إعادة إعطاء الأولوية للانتخابات الرئاسية التي تبدأ دستورياً بعد أقلّ من شهرين، أي في 25 آذار المقبل، ما يؤشّر الى إمكان الوصول الى تفاهم لبناني – لبناني برعاية دولية – إقليمية من أجل انتخاب رئيس في الأيام الأولى من بداية المهلة الدستورية، أي قبل انتهاء شهر آذار، على أن يُصار بعدها الى تأليف الحكومة الجامعة المفترضة، علماً أنّ كل المؤشرات تدلّ على أنّ تأليف الحكومة اليوم سيؤدي الى تفريغ الرئاسة غداً. وتضيف الأوساط: “لا بأس من دراسة متأنية لدعوة الرئيس نبيه برّي الى انتخابات مُبكرة من دون المساس بصلاحيات رئيس الجمهورية خلال الفترة المتبقية من عهد الرئيس ميشال سليمان، الذي يبقى في موقعه حتى الساعة الأخيرة من انتهاء ولايته”، مشددة في هذا الاطار على أهمية تقديم الانتخابات الرئاسية على الاستحقاق الحكومي بُغية طَمأنه المسيحيين الى أنّ الموقع الأول في الجمهورية الذي يجسّد عنوان الشراكة المسيحية – الاسلامية مُصان، وسيبقى رمز وحدة الوطن والساهِر على احترام الدستور وعلى الحفاظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه.
وفي المحصّلة، حذّرت الأوساط من أيّ محاولة لتفريغ رئاسة الجمهورية، ودَعَت القوى السياسية في كل الاتجاهات السياسية الى قطع تعهّد بإتمام الاستحقاق الرئاسي في موعده، وتحميل كلّ مَن يتخلّف عن المشاركة فيه باستهداف الدور المسيحي.