#adsense

ماذا تريد باريس من لبنان؟… رئيس قوي واستقرار وتجربة كوشنير لن تتكرر

حجم الخط

كتب يورغو البيطار في مجلة “المسيرة”: إكتسبت زيارة مستشار الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لشؤون الاشرق الأوسط، إيمانويل بون، الى لبنان اهمية خاصة ليس فقط نظراً الى دقة المرحلة لبنانياً وإقليمياً في ظل تزايد الدور الفرنسي في المنطقة، ولكن ايضاً كونها أتت بعد سلسلة طويلة من التحليلات الإعلامية والسياسية عن حقيقة الدور الفرنسي وموقف باريس من الملفات اللبنانية والاستحقاقات الداهمة بعد الاطناب عن تسويات آتية لا محالة. فماذا حمل بون في جعبته الدبلوماسية ضمن مروحة لقاءاته في لبنان ومنها زيارته الى معراب ولقائه رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع وما هي أبرز اولويات “الأم الحنون” بالنسبة للتطورات اللبنانية؟

يؤكد مصدر رفيع في “القوات اللبنانية” ان بون ليس الموفد الفرنسي الاول الذي يزور لبنان ولن يكون الاخير بالتأكيد اذ ان الموفدين الذين يتعاطون بالشأن اللبناني حاضرون بشكل دائم، لكنه يلفت الى مكانة بون فهو مستشار هولاند لشؤون الشرق الاوسط، شمال افريقيا والامم المتحدة ومع انه ليس رئيس الخلية الدبلوماسية لكنه  يعتبر عليماً بشؤون المنطقة فاختياره لم يتم بالصدفه اذ انه عاش في لبنان كباحث كما عاش لفترات في طهران والرياض ونيويورك بصفته الدبلوماسية وبالتالي هو متمرس بالمواضيع التي يبحثها.

ولا بد من الاشارة الى ان بون قريب من الرئيس هولاند الذي يثق به وهو يحظى باحترام في الاوساط الدبلوماسية كما في الاوساط الرئاسية في فرنسا وكان قد رافق هولاند في زيارته الاخيرة الى المملكة العربية السعودية وهو من الأساسيين الذين يمسكون بالملف اللبناني في الادارة الفرنسية وبالتالي فإن كل هذه المعطيات اكسبت الزيارة اهميتها.

مهمات ثلاث حملها بون خلال زيارته اللبنانية: تسليح الجيش اللبناني، استطلاع بشأن ملف تشكيل الحكومة واستشراف استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية كما يشرح المصدر القواتي.

في ملف تسليح الجيش اللبناني، يشدد المصدر على ان باريس انطلاقا من مبادئها تهتم بتقوية المؤسسات اللبنانية وهي تؤمن بهذه المؤسسات وخصوصا مؤسسة اساسية كالجيش حيث ان حفظ السيادة والاستقرار يمران بالجيش ان كان في الظرف الراهن او في الظروف الاخرى ولذلك جرى العمل المشترك بين اللبنانيين والسعوديين والفرنسيين وتوّج بالاعلان عن تقديم 3 مليارات للجيش لشراء اسلحة متطورة.

وبالتالي فالثابتة الفرنسية التي لا تتغير هي: المؤسسات. لذلك اتخذت خطوة كبيرة تجاه مؤسسة امنية كبيرة وهامة مثل الجيش تستلزم طبعا استكمالها كما كانت سبقها مبادرة فرنسية عبر “مجموعة دعم لبنان” التي حظيت باجماع دولي في مجلس الامن وتحولت الى اقتراحات ومقررات وما زالت في طور الاستكمال.

من ناحية اخرى ينفي المصدر المطلع على الموقف الفرنسي كل ما اثير عن دفع باريس باتجاه معين في ملف تشكيل الحكومة ويعتبر ان كل ما قيل إما من نسج خيال السياسيين او الصحافيين في لبنان.

في الملف الحكومي الذي بحثه بون مع من التقاهم في لبنان، يخطئ من يعتقد ان فرنسا ضغطت باتجاه معين فباريس لم ولن تضغط باتجاه على حساب اتجاه اخر اذ المجتمع الدولي واوروبا تحديدا وفرنسا يريدون تشكيل حكومة لكن ان كانت تلك الحكومة وفق صيغة 8-8-8 او صيغة 9-9-6 او غيرها فذلك شأن داخلي لبناني يتم وفق الآليات الدستورية للتشكيل والمفاوضات السياسية وهذا هو موقف “القوات” التي ترغب ان تكون عملية التشكيل وفق هذه المعايير كما يذكّر المصدر.

من وجهة نظر فرنسية، فإن الظروف تحتم تشكيل حكومة في لبنان واسباب عدة تدفع لذلك، فالمؤسسات لا يجب ان تنهار في منطقة متفجرة وفي حال اهتزاز وعدم استقرار وبالتالي ان انهارت المؤسسات في اي دولة تكون العملية خطيرة من الصعب ترميمها لاحقا. يضاف الى ذلك الوضع الاقتصادي الضاغط جدا اذ ان وجود حكومة يريح الوضع الاقتصادي نوعا ما ويعيد الثقة والحركة الاقتصادية. وفي السياق نفسه، فإن مجموعة دعم لبنان اقرت خطوات لدعم لبنان وبدأت طلائع النتائج تظهر ببوادر لدعم لبنان بملف اللاجئين الذي تحول الى مطعى وازن على مستويات عدة، وكي يأتي الدعم يجب ان يمر عبر حكومة فعلية فاعلة. فلكل هذه الاسباب وغيرها من الضروري ان يكون هناك حكومة ولكن لا دخول من قبل فرنسا بشكل الحكومة.

يحرص المصدر على نفي ان تكون باريس بوارد اطلاق مشروع “سان كلو” جديد فهذا الكلام خاطئ تماماً مع انه تم الحديث فيه من قبل البعض مع ايمانويل بون تحديداً لكن هذا لا يعني ابدا ان باريس او هو يتبنون هذا الطرح. فالادارة الفرنسية تعتبر ان لها رصيداً في لبنان من خلال معرفتها باللاعبين السياسين اللبنانيين واهتمامها الكبير بلبنان لاسباب تاريخية وثقافية وبالتالي “ليس من حقها” التفريط برصيدها عبر مغامرات ومبادرات لا تعرف اهدافها ولا الى اين ستصل وتؤدي الى استنزاف وقت وجهد من دون نتيجة.

الانتخابات الرئاسية كانت له حصة وازنة من مباحثات بون في بيروت، فالاستحقاق حسب المعايير الفرنسية والغربية سيؤثر كثيراً على مستقبل لبنان للسنوات الست المقبلة. من الزاوية الفرنسية، مقاربة هذا الموضوع تنطلق من مجموعة نقاط. اولا، اهمية حصول الانتخابات الرئاسية وهذا الموضوع قاله هولاند رسميا كما التشديد على اهمية اجراء الاستحقاق بموعده اي رفض الفراغ. ثانيا، احترام الآليات الدستورية وهذه نقطة تتكرر في الادبيات الفرنسية.

هذا رسمياً، اما في كواليس السعي الفرنسي، فالمصدر يشدد على ان باريس ترغب بوجود رئيس رئيس قوي وممثل في لبنان يستطيع النهوض بمؤسسة الرئاسة.

المقاربة الفرنسية تأتي اذن بهيكلية واضحة: لا دولة بدون مؤسسات قوية ولا مؤسسات قوية من دون رئيس جمهورية قوي فرئيس جمهورية قوي يقوي المؤسسات التي تعزز بدورها وجود الدولة.

ماذا عن الجانب “المسيحي” من الاستحقاق؟ يعترف المصدر ان هذا الشق دخل في الادبيات الفرنسية مع انه امر نادر في دولة علمانية بالعمق لكن الجانب المسيحي في لبنان والشرق يأخذ حيزا ما واصبح مطروحا ولم يعد محظوراً.

ويشرح ان ثمة جانبين “مسيحيين” للاستحقاق الرئاسي في لبنان: داخلي وخارجي وقد اصبحا على الطاولة الفرنسية وبالتالي فإن الفراغ في الرئاسة او إضعاف موقع الرئاسة لا يعني فقط إضعاف المؤسسات بل هي ايضا رسالة سلبية للمسيحيين المشرقيين والمسيحيين اللبنانيين لان هذا الموقع هو الموقع المسيحي الرئاسي الوحيد بين الدول العربية. وهذا يعني ان وجود رئيس مسيحي قادر وفاعل يقدم رسالة ايجابية من مسييحيي لبنان الى مسيحيي الشرق.

ويجزم المصدر ان ما لن تقوم به فرنسا هو تجربة وزير الخارجية الأسبق برنار كوشنير اي زيارات متكررة والطلب من البطريرك لائحة لاختيار رئيس منها ثم “فرط” العملية وعدم وصولها الى مكان. فهذه التجربة فشلت سابقاً وفرنسا ليست بوارد التفريط برصيدها في لبنان. لكن فرنسا تأمل ان يذهب النواب المسيحيين ويصوتوا في البرلمان خصوصاً ان هذا استحقاق “مسيحي” بامتياز وهي اذ تتمنى مشاركة جميع النواب اللبنانيين ترغب بأن تضمن ان على الاقل ثمة 64 نائبا سيكونون موجودين بغض النظر عن الرئيس الذي سينتج عن التصويت. من ناحية اخرى، فإن ما تقترحه فرنسا على المسيحيين هو الاتفاق على تطبيق الآلية الدستورية وتاليا على الاتفاق على مواصفات المرشح الرئاسي وانطلاقا من هنا تفتح اللعبة السياسية. اذ ان النقطة التي ايقنتها فرنسا في موضوع الانتخابات الرئاسية هو ان اي توافق على رئيس سيأتي برئيس ضعيف في وقت ان الانتخاب سيأتي برئيس قوي.

ويؤكد المصدر نقلا عن جولة بون ان “ما تم الحديث عنه ببعض وسائل الاعلام من ان فرنسا تسعى لتوافق على اسم الرئيس بين السعودية وايران خاطئ وليس صحيحا فباريس ليست بهذا الوارد وحتى لم تفكر بهذا الموضوع رغم ان العلاقة بين باريس وطهران ليست مقطوعة بطبيعة الحال كذلك العلاقة بين باريس والرياض هي في احسن حالاتها نتيجة موقف باريس من الملف النووي الايراني او من رئيس النظام السوري بشار الاسد وذلك تجلى بدعم الجيش في لبنان”.

المصدر “القواتي” العليم يشير الى ان باريس تريد رئيسا قوياً ينتخب وفق الآليات الدستورية، وهي تخشى ان تكون النتيجة على حساب الاستقرار الذي يعتبر امرا اساسيا. فإن دخل  لبنان في مرحلة عدم استقرار “لا نعرف ما هي الضوابط والى اين يمكن ان تؤدي فمن سيطفئ الحريق عندها والهاجس هو النزيف السوري المستمر”.

وتعتبر باريس ان “الافضل تحييد لبنان عن حال اللاستقرار في المنطقة وليس فقط عن حال الحرب في سوريا. اما عملية امكانية التناقض بين الالية الدستورية اللبنانية وانتخاب رئيس قوي وبين الاستقرار تخلق مساحة ضبابية رمادية ادت الى مرحلة من التفكير لم تخرج الاستنتاجات منها بعد”.

وهنا، يشرح المصدر موقف “القوات اللبنانية” الواضح من هذه المسألة اذ ان الاستقرار مطلب اساسي للقوات ولكل محبي لبنان لكن ثمة فرق بين الاستقرار كـStatus-quo او الاستقرار المستدام stabilité durable.

ويرى انه “في حال اردنا استقرارا فقط ثمة خطر من الدخول في أسوأ التسويات وينتج عنها اضعف التركيبات في كل المواضيع من رئاسة وحكومة فالدولة تكون باستقرار هش”، وفي ذلك، حسب موقف القوات، مراوحة ولااستقرار في كل الملفات امنيا واقتصاديا وسياسيا. اما ما تطرحه القوات هو الدخول تحديدا من زاوية انتخابات رئاسة الجمهورية، كما يظهر ايضا من الموقف في الحكومة، نحو استقرار مستدام اي ايجاد حلول للمشاكل وليس تسويات مرحلية فقط لعدم تفاقم المشاكل.

ويختم المصدر “القواتي” مشددا على ان “ثمة حال تفكير عند الاوروبيين والفرنسيين بهذه الاسئلة، فهل نذهب باتجاه الاستقرار الذي يؤدي الى مراوحة او الاستقرار المستدام الذي يجب ان يمر بتوازن قوى لمصلحة الدولة وليس لمصلحة طرف معين؟”

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل