كتبت مي الصايغ في صحيفة “الجمهوريّة”:
حال من الهرج والمرج سادت مقرّ منظمة الأمم المتحدة في جنيف مع إعلان إلغاء جلسة بعد ظهر أمس من المفاوضات التي جرت بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة في إطار”جنيف 2″، على أن تستأنف صباح اليوم.
للوهلة الأولى، بدا أنّ الأمور عادت إلى المربع الأول، فسارعت المعارضة المتمثلة بـ”الإئتلاف” إلى نفي الأنباء التي تحدثت عن تعليقها، والتي انتشرت كالنار في الهشيم، ليعود المتحدث بإسم الائتلاف الدكتور لؤي صافي ليؤكّد في حوار أجرته معه “الجمهورية” في جنيف بأنّ “المفاوضات مستمرة”.
ويقول صافي: “إنّ المفاوضات لم تعلّق، وقدمّنا اليوم رؤية المعارضة للمرحلة الإنتقالية، والتي سيرفعها المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي إلى وفد الحكومة السورية”. ويشدد على أنّ “المفاوضات لم تؤجل وقد تمّ فقط إعطاء الوقت لمتابعتها اليوم”، نافياً أنّ تكون الأنباء عن تقديم الولايات المتحدة أسلحة خفيفة إلى فصائل الجيش الحرّ وراء عدم عقد جلسة ما بعد الظهر، وواضعاً ذلك في خانة الشائعات.
في الوقت عينه، يقرّ الإئتلاف باستحالة أن “يسلمّ نظام بشار الأسد ببساطة”، بعد تعثّر التوصل إلى خريطة طريق لمعالجة الملفات الإنسانية، التي تعدّ أقلّ تعقيداً قياساً بمسألة هيئة الحكم الإنتقالية، لكنّه “يتشبث بأسنانه” بحبل المفاوضات، ويضع نصب عينه هدف إعادة قطار التفاوض إلى سكة “جنيف 1”.
وإذ يتهم صافي وفد الحكومة السورية بأخذ النقاش بعيداً من هدف المفاوضات المتمثّل بتشكيل هيئة حكم إنتقالية، يقول: “جدول عملنا واضح، وتسلسل المفاوضات حددها قرارمجلس الأمن 2118، انتقال السلطة ومن ثم مناقشة كلّ الملفات الإنسانية، وبالتالي سنسعى إلى إعادة التفاوض إلى هذه السكة”.
وإذ لا ينكر أنّ بعض النقاط الموجودة في البيان السياسي الذي قدّمه وفد الحكومة السورية وردت في بيان جنيف 1، لكنّه يشير إلى إشكاليتين، أولهما “أنّ النظام يسعى لاستبدال ورقته التي لعبها أمس الأول ببيان جنيف وخلّق سابقة في هذا المجال، وثانيهما أنّ بعض النقاط مأخوذة لتجميل شكل النظام بأنّ سوريا دولة ديموقراطية، وهو أمر غير صحيح”.
ويقول: “نحن نتفاوض لتوليد جمهورية على هذا الشكل، تضمن المشاركة السياسية من دون خوف التعرّض للسجن وقطع الرؤوس، ولن نقع في هذا الفخ الذي نصبه النظام”.
وبالتالي، المطلوب من الوسيط الدولي الأخضر الإبراهيمي أن “يعيد مفاوضات جنيف 2 إلى مسارها الصحيح، وهو ما نصّ عليه القرار 2118، الذي يدعو إلى تشكيل هيئة حكم إنتقالية، ومن ثم التفاوض على القضايا الإنسانية والمصالحة”، في نظر صافي.
مرجعية جنيف 1
وعلى رغم هذه التباينات الحادة على ضفتي النظام والمعارضة، لا يرى صافي أنّ المجتمع الدولي استعجل انعقاد المؤتمر الدولي للسلام في سوريا، قبل خلق أرضية مشتركة يمكن الإنطلاق منها. ويقول: “العكس صحيح المجتمع الدولي إنتظر كثيراً، وفي حين كانت المفاوضات جارية، لم يتوقف حمام الدم حيث سُجل خلال الأيام الأربعة الماضية مقتل 244 مدنياً بينهم 100 إمرأة و33 طفلاً”. ويضيف: “كان يجب وقف حمام الدم، عبر محاولة الوصول إلى حلّ سياسي بدل الأمني، والأرضية المشتركة كانت متوافرة مع قبول النظام ببيان جنيف 1 كأساس للتفاوض قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2، ليعود بعد ذلك إلى أسلوب المراوغة والتهرّب”.
ولا يخفي بأنّ الإئتلاف كانت لديه “شكوك بأن يدخل النظام في مفاوضات في إطار الحل سياسي، سيما وأنّه نظام يرتكز على شخص واحد، ويتوجّس الإنهيار”. لكنّ صافي يرفض في الوقت عينه إتهام الإئتلاف “برفع سقف مطالبه ووضع شروط تعجيزية، بناء على نصيحة بعض الجهات الأوروبية والإقليمية، لتفشيل مؤتمرجنيف 2 وإعاقة تحقيقه أي اختراق يذكر”.
ويقول: “هذا كذب وتضليل إعلامي، ومحاولة التشكيك في وطنية ومصداقية الإئتلاف هي جزء من استراتيجية النظام، ونحن نريد الإنتقال إلى نظام ديموقراطي، والمجتمع الدولي بدوره يريد إنهاء الصراع “.
ويعتبر أنّ الكلام عن مراهنة السفير الأميركي روبرت فورد على ضمّ نواة الجماعات الجهادية المقاتلة في سوريا إلى إطار “جنيف 2 ” لتعزيز قدرة الإئتلاف على تنفيذ التزاماته العسكرية على الأرض “غير دقيق”.
ويقول: “هناك جناح ثوري عسكري وجناح سياسي للمعارضة. وباستثناء “جبهة النصرة وداعش” حليفتي النظام والتي نملك أدلة تثبت تحالفهما هذا، أعلنت الفصائل الأخرى قبولها الديموقراطية، وقد أصدرت بيانات قبيل قرارنا بالتوجه إلى جنيف 2 بأنها لن تشارك، لكن مطالبها قريبة من مطالب الإئتلاف، ولم تعترض على مشاركة الإئتلاف في هذا المؤتمر”.
وفي الوقت عينه، ينفي وجود نقاش في كواليس الإئتلاف عن التوجه إلى “فتح أبواب وفد المفاوضات أمام فصائل معارضة الداخل”، ويعتبر أنّ “عدداً كبيراً من معارضة الداخل إنضمّ إلى الإئتلاف، وفي طليعتهم هيثم المالح وميشال كيلو، الذي كان عضواً سابقاً في هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديموقراطي، حتى أننا وضعنا إسم عبد العزيز الخير، الذي اعتقله النظام، وهو أحد أعضاء هذه الهيئة أيضاً، في عداد وفد الإئتلاف”، مقلّلاً من حجم هيئة التنسيق برئاسة حسن عبد العظيم التي “لم تعد تمثّل إلّا جزءاً بسيطاً من المعارضة”، على حد تعبيره.
وينكر مناقشة الإئتلاف لاقتراح لإدارة المرحلة الإنتقالية، على غرار المجلس الرئاسي برؤوسه الثلاثة الممثلة للإثنيات في البوسنة، ويقول: “نحن التزمنا بإطار بيان جنيف 1 الذي يدعو إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ولن نقبل بأي تقسيمات مماثلة”.
وعلى رغم إقراره بتصلّب موقف النظام السوري، يختم حديثه بالتأكيد على أنّ “الإئتلاف سيستمر في التفاوض لأنّ مسار المفاوضات سيحدد الطرف المعرقل. ونحن نعلم أنّ النظام غير صادق، فهو لم يعطنا أي دليل حتى الساعة على إمكان أي حلحلة، وهذا سيدرج في تقرير الإبراهيمي الذي سيرفعه إلى مجلس الأمن، حيث سيظهر الطرف المعرقل مَن المتعاون”.