كتبت ألان سركيس في صحيفة “الجمهوريّة”:
مع اقتراب عيد مار مارون، تتسارع الخطوات لإنقاذ الواقع المسيحي اللبناني وإخراجه من عجزه عن التأثير في القرار الوطني، وتحوّله مجرّد مكوّن يرفع الصوت إعتراضاً من دون تغيير مجريات الأحداث، بدلاً من أن يكون المبادر الى صوغ التسويات وإيجاد الحلول.
ما كان قبل ثلاثة أو ستّة أشهر ليس كما اليوم. فمنذ مدّة، كان الهمّ الأساس لدول الغرب والفاتيكان إنقاذ مسيحيّي الشرق، من العراق ومصر وصولاً الى سوريا، فيما كان ملفّ مسيحيّي لبنان جزءاً من الملفّ الأوسع والأشمل حيث كان يوضع في أدراج دول القرار. أمّا الآن، فقد تبدّلت الأولويات، وأصبح ملفّ مسيحيّي لبنان في الواجهة، وبات همّ الفاتيكان وفرنسا “انتخاب رئيس جمهورية لبنان” (المسيحي الأوحد في الشرق) في موعده. كذلك، لم يعد بإمكان بكركي الوقوف متفرّجةً أمام ما يواجهه المسيحيون، وخصوصاً استبعادهم عن المشاركة في تأليف الحكومة، بل ستعمد الى التحرّك إنقاذاً للواقع، وهي التي بدأت الإعداد لوثيقة مع مجموعة من الإختصاصيّين منذ الصيف الماضي، تبلورت حالياً، وقد أعلن البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أمس، عن إصدار وثيقة وطنية بعد اجتماع مجلس المطارنة الموارنة يوم الاربعاء في 5 شباط المقبل، ترتكز على مقوّمات ثلاثة وهي: الثوابت الوطنية، الهواجس والأولويات”، مشيراً الى أنّها “تتضمَّن نحو عشر صفحات، بدأ العمل عليها منذ آب المنصرم، بعد سلسلة طويلة من اللقاءات مع جميع المسؤولين اللبنانيين وعلى المستويات كافة، وبعد الاستماع الى هواجسهم وتطلعاتهم ومناقشتها”.
الخطوط العريضة
اذاً، تحرّكت بكركي بشكل واسع، وبمباركة فاتيكانية. فالبطريرك يحظى بدعم كبير من البابا فرنسيس، وهو يطلعه في كل زيارة على الاجواء المحيطة بوضع المسيحيين والإستحقاقات التي تنتظرهم. وفي هذا الإطار تؤكد مصادر عملت على خط وثيقة بكركي لـ”الجمهوريّة” أنّ “الوثيقة وطنية بامتياز وستنطلق من المبادئ الأساسية التي قام عليها لبنان، وستطرح مخارج للأزمة وليس توصيفاً للمعضلات، وهي نوع من اقتراح حلول، وستركّز على الحضور المسيحي في لبنان والشرق، والاستحقاقات السياسية الأساسية، كذلك ستقترح صيغ حلول لانتخاب رئيس جمهورية وقانون الإنتخاب وأزمة سير المؤسسات”، لافتةً الى أنّ “بكركي تتطلّع الى استعادة دور المسيحيين، بعدما فُقد في عملية تأليف الحكومة، وكان اعتراضيّاً فقط، وهي تخاف من تكرار ذلك في الرئاسة”.
وتشدّد المصادر على أنّ “الوثيقة ستناقش دور المسيحيين الخارجي، وقد أخذت وقتاً من الجهد والتفكير، واستشعرت بكركي أنه لا يمكنها أن تكون دائماً في موقع ردّة الفعل وتعداد المشكلات بل عليها استشراف الحلول في المراحل المصيرية، من هنا ستتكلّم الوثيقة عن الثغرات الدستورية، وهي لن تقول إنّ “الطائف” لم يعد صالحاً، بل ستعرض تقويماً للإتفاق وتشير الى مكامن الخلل وتطرح المعالجات. أما بالنسبة للموضوع السوري، فتتضمَّن الوثيقة قراءة موسّعة لما حصل، وهي ستطرح الوجود المسيحي ما بعد الثورة، وتداعيات هذه الأزمة على لبنان، لجهة الواقع الأمني وعبء النازحين أو مشاركة بعض الاطراف اللبنانيين في القتال”، موضحة أنّ “هذه الوثيقة هي خريطة طريق للقضية اللبنانية بلهجة جريئة ومكتوبة من دون التباس ومطروحة للمناقشة مع الجميع”.
الشقّ الخارجي
في الشقّ الداخلي، تضع وثيقة بكركي المسيحيين واللبنانيين أمام واجباتهم، وتأمل أن “تلقى الوثيقة آذاناً صاغية، لا أن تضيع في سوق المناكفات السياسيّة”. أمّا خارجياً، فقد حزمت فرنسا، المعني الأول بالاستحقاق الرئاسي، أمرها، وفي هذا الإطار، أكّدت مصادر ديبلوماسيّة لـ”الجمهوريّة” أنّ “هدف فرنسا الأوّل هو انقاذ موقع رئاسة الجمهورية من الفراغ، ففرنسا لن تسمح إطلاقاً بأن يخسر الموارنة هذا الموقع، وهذا خطّ أحمر”، مشيرة الى أنّ “كل الكلام الذي صدر سابقاً والنظريات التي تقول إنّ مشكلة مسيحيّي لبنان جزء من مسيحيّي الشرق سقطت، لأنه لا يمكننا ترك الموارنة في لبنان يغرقون في الفراغ والضياع، من دون رئيس جمهورية، فيما وضع مسيحيّي الشرق الى انهيار، من هنا أهمية إنقاذ التجمّع المسيحي الاكبر في الشرق”.
وتزامناً مع الكلام الفرنسي الحازم، أوضح مصدر فاتيكاني لـ”الجمهورية” أنّ “اللقاء الاخير الذي جمع البابا فرنسيس والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند تناول موضوع مسيحيّي الشرق عموماً، وقد تطرّقا الى انتخاب رئيس الجمهورية اللبناني، حيث قال البابا لهولاند إنّ إتمام الإنتخاب في موعده اولوية بالنسبة للفاتيكان، وقد دعا فرنسا الى وضع ثقلها من اجل انجاح هذه العملية نظراً الى العلاقة التاريخية التي تجمع فرنسا بالموارنة واللبنانيين، وقد حصل البابا على تطمينات بهذا الشأن”. واعتبر في الإطار نفسه، أنّ “تحذير بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر اليازجي من موسكو من أنّ الفراغ الرئاسي خطر، له دلالات عدّة، خصوصاً أنّ الروس أبلغوا الى الفاتيكان أنهم سيلعبون دوراً متضامناً ومساعداً لهم”.
حراك فاتيكاني
الى ذلك، أشار المصدر عينه الى أنّ “الديبلوماسيّة الفاتيكانية كثّفت تحرّكاتها في الدوائر الاميركيّة، وقد زار عدد من المسؤولين الفاتيكانيين الكبار اميركا، حيث أثمرت جهودهم تحريكاً لملف الرئاسة، فبات موضوع تأليف حكومة لبنانية في الأقنية الاميركية تفصيلاً، فيما يؤكد المسؤولون الأميركيون أمام كل مسؤل لبناني أو خارجي يلتقونه أنّ الاولوية هي انتخاب رئيس في موعده الدستوري”. وشدد المصدر على أنّ “مسيحيّي لبنان اولوية عند الفاتيكان، لأنّ لا قدرة على تغيير مجريات الأحداث في الدول العربية، فيما الوضع اللبناني ممسوك الى حدّ ما”، مشيراً الى أنّ “زيارة رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري الاخيرة الى لبنان وضعت المسؤولين اللبنانيين والمسيحيين أمام مسؤولياتهم، وقد أبلغ ساندري الى كلّ مَن التقاه أنّ انتخاب الرئيس أمر مصيري بالنسبة للفاتيكان، المهتم بالحفاظ على الموقع المسيحي الأول في الشرق”.
الى ذلك، أكد المصدر أنّ “الراعي يكمل عمله الرئاسي بدعم من الفاتيكان من دون الدخول في الاسماء، وفي هذا الإطار أتى اجتماعه مع ممثّلي الدول الخمس منذ نحو الاسبوعين”، مشيراً إلى أنّ “الفاتيكان لا يحبّذ استضافة المرشحين الموارنة الى الرئاسة لكي لا يُفهم ذلك دعماً لأيّ مرشّح”، نافياً أن يكون رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون “قد قابل ايّ مسؤول فاتيكاني مهمّ خلال زيارته الأخيرة”، لافتاً إلى أنّ “الفاتيكان لم يُعلن عن مواعيد لقاءات رسمية معه أو مع أيّ مرشّح آخر، حفاظاً على سلامة الاستحقاق الرئاسي”.
وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل عن امكان زيارة البابا فرنسيس الى لبنان بعد زيارته الأردن، كرسالة دعم للمسيحيين في هذا الوقت والظرف الدقيقين، فيما لم يرشح أيّ موقف رسمي حتى الآن عن دوائر الفاتيكان.
اذاً، تستكمل بكركي العمل الرئاسي بدعم فاتيكاني- فرنسي، فيما لم يُسجّل أيّ تحرّك أو دور للآباء اليسوعيّين بعد كلام عن أنهم سيقدّمون مبادرة، خصوصاً أنّ دورهم تعزَّز في سياسة الكنيسة العالمية لأنّ البابا فرنسيس يسوعيّ وكبار مستشاريه من هذه الرهبنة، فيما لم يغب دور بقية المؤسّسات والرهبانيات. ولا يمكن كذلك إسقاط دور اليسوعيّين العالمي على لبنان، لأنّ له خصوصيّته، حيث تعتبر الرهبنة اللبنانية المارونية هي الأقوى، ومن جهة أخرى يحترم اليسوعيون هذه الخصوصية، ولن ينتهجوا سياسة وضع اليد على الكنيسة المارونيّة وتوسيع نفوذهم في لبنان، على الرغم من أنّ تأثيرهم على مسيحيّي الشرق الى ازدياد.