هل ان ميشال عون قلب الطاولة فعلا، وهل هو حقيقة سيد مواقفه؟
اما السؤال عما اذا كان الهدف هو الاحتفاظ بحقيبة الطاقة للصهر جبران باسيل فالجواب بلا شك هو نعم. وقد يعلق البعض متسائلا هل ان الطاقة (أي النفط!) تسـتأهل كل هذا الضجيج لدرجة تعطيل توافق دقيق وبشق النفس على تشكيل حكومة بعد عشرة أشهر من الشلل السياسي والمؤسساتي والتفجيرات الأمنية، ويأتي الرد ممن يعرف ويفهم جيدا طريقة تفكير الجنرال وتعاطيه بانه يتحرك دوما في «دائرة ملعبه الصغير» ويسعى باستمرار وراء الحصص، ويخوض معاركه لمآرب خاصة.
فهل يتذكر أحد خلال كل هذه السنوات ان عون خاض معركة من أجل موقف سياسي مبدئي؟ كل اللبنانيين يتذكرون عندما تم تكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2009 التي ربحتها قوى 14 آذار كيف هدد قائلا «أو جبران او لا حكومة»؟! كي لا نعود كثيرا الى الوراء عندما كان يخوض معاركه «الدونكيشوتية» من قصر بعبدا.
ميزة الجنرال الثابتة انه يمارس باستمرار دور «الغاضب» عندما يشعر بان احدا يريد تهميشه، أو «المشاكس» نظرا لتوجسه الدائم حتى من حلفائه، لذلك فهو يقوم احيانا بدور «الشريك المضارب» الذي يأخذ حصته ويحاول السطو على حصة غيره. وهذا عمليا ما يحصل اليوم، اذ انه ادرك ان هناك تفاهمات سياسية اقليمية تدفع على الاقل باتجاه تشكيل حكومة من اجل تخفيف الضغط عن الساحة الداخلية، عبر تجاوز صراعات القوى السياسية حول قضايا شائكة لا امكانية لايجاد حلول لها في هذه المرحلة حتى عند هؤلاء الساعين الى ترييح الوضع السياسي الداخلي.
فماذا يفعل عندها الجنرال؟
يبدأ بخوض «حروبه الصغيرة»، من التحاق العونيين بمعسكر احتلال «حزب الله» ساحة رياض الصلح واطلالة الجنرال من الرابية باللباس البرتقالي، الى احتفاله ب»النصر» بعد 7 ايار 2008، الى عودته من الدوحة مهللا بقانون انتخابي قديم-جديد (قانون 1960) اعتبره «انصافا للمسيحيين». ولاحقا ينقلب عليه متبنيا «مشروع القانون الارثوذوكسي»، بعد ان يدعي العلمانية، ويتكلم أمس عن «دولة مدنية حديثة» وعن الدستور والميثاق…
ناهيك عن صراخه المستمر على الحصص والحقائب عند تشكيل كل حكومة منذ 2008 حتى اليوم، وفي كل مرة يتدخل «حزب الله» لارضائه عبر التنازل له عن حقائب اضافية او «ايداعه» اخرى تهم الحزب، وانما يصعب حصوله عليها (الاتصالات مثلا).
وها هو اليوم يرفض مبدأ «المداورة» الذي كان هو اول من طالب بها، الا انه ربما كان يقصد تطبيقها على الآخرين فقط. كما انه كان اول من طرح بعد انتخابات 2005 فكرة عدم توزير الفاشلين في الانتخابات، واذ به يطرح صهره للتوزير ليصبح ثابتا في كل الحكومات منذ 2008 وهو الذي سقط مرتين في الانتخابات (2005 و 2009)، وكذلك وزير الاتصالات الحالي نقولا الصحناوي (2009). فعن اية مبادىء، وعن اية ثوابت، وعن اية معايير في تأليف الحكومة يتكلم زعيم «التغيير والاصلاح»؟
يشكو عون من الخروج على الاطر الدستورية والقانونية والميثاقية، الا انه عندما ينحشر أكثر فانه يدخل العنصر الطائفي الى معايير «صحة التمثيل» متكلما عن «حقوق المسيحيين» و»عدالة تمثيلهم» على اعتبار انه هو الممثل الفعلي للمسيحيين، وغير ذلك تصبح الحكومة غير ميثاقية. وأمس، أضاف باسيل «معيار جديد» آخر هو تلازم تمثيلهم مع النفط! ولكن عندما تتشكل حكومة مثل حكومة نجيب ميقاتي، التي يشارك فيها عون من دون مشاركة «تيار المستقبل» وهو الطرف السياسي السني الأقوى والأكثر تمثيلا وشعبية، فلا تكون هذه الحكومة غير ميثاقية وفاقدة للشرعية؟
وفي اطلالته اول أمس، قال عون انه «لاسباب مختلفة يُمدد لمجلس النواب ويُمنع المجلس الدستوري من الانعقاد لاتخاذ موقف من التمديد». عجيب أمره فعلا، يتهم رئيس الحكومة المكلف تمام سلام بالعبث بمعايير تأليف الحكومة ويجهل الفاعل في مسألة التمديد، لا يتجرأ على تسمية حلفائه الذين يتحملون، ليس وحدهم طبعا، قسطا من المسؤولية. كما انه لا يجرؤ على تسمية من ضغط على العضوين الشيعيين في المجلس الدستوري من أجل تهريب النصاب، ومن اقترح وسوق «المداورة» في الحقائب أي «حليف حليفه» نبيه بري؟! لماذا؟
هل ان عون قرر فعليا رفض المشاركة في الحكومة؟
ان كل «الحروب الصغيرة» التي يخوضها الجنرال مرجعها في النهاية عند «حزب الله»، سواء باتجاه تحقيق مكاسب لعون، أو باتجاه توظيفها لحسابات الحزب السياسية. فاذا كانت أهدافها داخلية أمكن ايجاد المخارج بحسب السيناريوهات المعدة، أما اذا كانت لغايات اقليمية فيبقى الجواب معلقا… فنحن امام اية حالة اليوم؟