كلّ المؤشرات تدلّ إلى وجود قرار خارجي بالتأليف، من حركة السفير الأميركي ديفيد هيل فوق العادية، والمواقف المسرّبة عنه بتأييده حكومة جامعة يشارك فيها “حزب الله”، إلى الرغبة الفرنسية بقيام حكومة جديدة تتيح لباريس تسييل هبة الثلاثة مليارات المخصّصة من الرياض لتدعيم الجيش اللبناني، وما بينهما الموقف السعودي الثابت بتحييد لبنان وشراء الوقت، مقابل حاجة طهران لترييح الحزب من الضغط الداخلي وتظليله بغطاء سياسي سنّي-وطني يحدّ من التفجيرات ضدّه ويمكّنه من مواصلة تفرّغه للأزمة السورية.
ولا يمكن تفسير التنازلات المفاجئة التي أقدمَ عليها “حزب الله” و”المستقبل”، كما رفضهما إعلان فشل مساعي التأليف، على رغم التعقيدات العونية المفتعلة، إلّا بوجود قوّة خارجية دافعة لتأليف الحكومة. وخطورة هذه القوّة أنّها تنظر إلى الأزمة اللبنانية من زاوية كونها نتيجة للصراع السعودي-الإيراني، ما يجعل أولويتها التوفيق بين طهران والرياض، بغية تبريد الوضع اللبناني الذي بات يشكّل مصدر قلق للمجتمع الدولي الذي يريد أن ينأى بنفسه عن لبنان.
وعندما تتحقق هذه الأولوية بجمع المكوّنين السنّي والشيعي حول طاولة واحدة، والتي تطلّبت لحظة إقليمية مؤاتية وجهوداً مضنية لتحقّقها، لن يغامر المجتمع الدولي بعدها بفرط هذه الصورة الجامعة وإعادة تركيبها بعد أقلّ من أربعة أشهر مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لأنه لا شيء يضمن نجاحه، فضلاً عن أنّه لن يكون بِواردِ تكرار الجهود التي بذلها، وبالتالي سيتعامل مع الاستحقاق الرئاسي على قاعدة الدعوة لاحترام الاستحقاقات الدستورية، فإذا احتُرمت كان به، وإذا لم تُحترم فلن تكون آخر الدنيا، لأنّ الأولوية بالنسبة إليه هي لاستقرار النظام الذي يتأمّن بالمشاركة السنّية-الشيعية داخل الحكومة.
فالمجتمع الدولي، كما بات معلوماً، لا يريد “وجعة راس” إضافية إسمُها لبنان، ويسعى لترتيب وضعه بـ”التي هي أحسن” على قاعدة الترقيع، والحكومة الجامعة، إن أبصرت النور، ستكون أفضل دواء، بانتظار التسوية الكبرى التي قد تأتي وقد لا تأتي أبداً، الأمر الذي يبقي لبنان معلّقاً بحبال الهواء.
ومن هذا المنطلق، فالحكومة الجامعة ستطيح بالاستحقاق الرئاسي، وكلّ من يشارك في هذه الحكومة ويشجّع عليها يساهم عن قصد وغير قصد في تقليص حظوظ إجراء الانتخابات الرئاسية، فيما كان من الأولى جعل الحكومة الجامعة شرطاً متّصلاً بالاستحقاق الرئاسي للفئة التي تؤيّد وجهة نظر المساكنة مع “حزب الله” في حكومة واحدة، حيث كانت ساهمت بإنقاذ هذا الاستحقاق، نظراً لحاجة الحزب إلى حكومة يظهر فيها في صورة واحدة مع “المستقبل” تُبعد عنه جزئياً صورة الشيعي الذي يقاتل السنّة في سوريا.
فالاستحقاق الرئاسي في خطر، ليس فقط لأنّ الاهتمام الدولي-الإقليمي الذي حظي به الملف الحكومي لن ينسحب على الرئاسي، إنّما لأنّ تأليف حكومة مساكنة أسهل ألف مرّة من انتخاب رئيس للجمهورية، لأنّ في المساكنة يجد كلّ فريق حصته، فيما هناك رئيسٌ واحدٌ للجمهورية لا يمكن “تقطيعه”، كما لا يمكن أن يجسّد بشخصه تطلّعات كلّ الجهات، فضلاً عن أنّ موازين القوى القائمة إقليمياً بين السعودية وإيران، ولبنانياً بين 8 و14 آذار، ومسيحياً بين “القوات” و”الكتائب” و”الأحرار” والمستقلين من جهة، و”التيار الوطني الحر” و”المرَدة” من جهة أخرى، لا تسمح بانتصار فريق على آخر، خصوصاً أنّ كلّ فريق يريد إيصال رئيسٍ من صفوفه، ولا يبدو أنّه لغاية اللحظة في وارد التفاهم مع الآخر على إيصال شخصية وسطية أو مستقلّة، ما يجعل حظوظ الفراغ تطغى على احتمالات إجراء الانتخابات.
فما بين غياب الاهتمام الدولي بانتخابات رئاسية لا تقدّم ولا تؤخّر في حساباته ونظرته التي تُختصر بالحفاظ على الاستقرار حتى ولو بحكومة عمودُها الفقري “حزب الله”، وما بين عدم قدرة الحزب على اختيار رئيس من “صفوفه” ورفضه وصول رئيس وسطيّ يستكمل ما بدأه الرئيس الحالي، خصوصاً أنّ دعمه لأيّ رئيس وسطي بضغط إقليمي سيُحرجه مع الجنرال عون، ما يجعله يفضّل الفراغ في الرئاسة على فقدان الغطاء المسيحي، وما بين عجز المسيحيين على التوافق على إسم محدّد، يبقى الفراغ في سدّة الرئاسة الأولى هو الأرجح.
إنّ الوسيلة الوحيدة للضغط على المجتمع الدولي والعربي والإقليمي و”حزب الله” لإتمام الاستحقاق الرئاسي كانت اشتراط إجراء الانتخابات الرئاسية لتأليف الحكومة الجامعة، والتنازل عنها مجّاناً سيؤدّي إلى الإطاحة بهذا الاستحقاق، فيما كان الأجدى التمسّك بالحيادية ريثما انتخاب رئيس جديد…
