لم يفهم أحد من المسيحيّين، بمَن فيهم العونيّون، لماذا تكون الطاقة هي – تحديداً – الوزارة الإستراتيجية بالنسبة إليهم. وقال بعضهم: يبدو أنّ شهداءَنا تساقطوا منذ أجيال، لا مِن أجل «مرقد عنزة»… بل من أجل «حفنة من الدولارات»!
تدور لعبة الحكومة في المربّع الآتي: هناك رغبة أميركية – أوروبية – سعودية لإبرام “إتفاق ما” في لبنان، “أيّاً كان مضمونه” قبل 25 أيار. فالمطلوب عدم إنفراط لبنان، على الأقلّ في الشكل، تحت وطأة التداعيات السورية. وطلب السعوديون من الرئيس سعد الحريري أن يستجيب للتسوية، لأنّ الظروف الآتية أصعب.
في المقابل، طلبت موسكو من طهران إقناع “حزب الله” بأن يراعي الإيجابيات الدولية، شكلاً على الأقل، ويسهّل إبرام صفقة شاملة حول الحكومة والإستحقاقين الرئاسي (أيار) والنيابي (تشرين الثاني) على غرار الدوحة.
وقد تجاوبَ “الحزب” لأنّ ذلك يجلب له إعترافاً واقعياً من جانب الخصوم بمشروعية مشاركته في النزاع السوري، ويهدّئ الإحتقان السنّي الذي بات يتحوّل تفجيرات إنتحارية موجعة، ويضع “سُنَّة الإعتدال” إلى جانبه في مواجهة “التكفيريين”.
لذلك، هناك فرصة لولادة حكومة… إذا نجح “الحزب” في إبرام صفقة تناسبه ويستغلّها لتحسين صورته دوليّاً، ولكن من دون تقديم تنازلات حقيقية. فباستثناء التفجيرات الإنتحارية، هو مرتاح سياسياً وعسكرياً، وحليفه السوري بات في مأمن.
والتسوية المطروحة تضْمَن الثلث المعطّل لـ”الحزب”، والبيان الوزاري الذي – إذا وُجِد – سيكفل “الثلاثية” وإختيار رئيس يقبل به وإنتخاباتٍ نيابية مُرضية. وإلّا، فلا بأس بإبقاء الحكومة الميقاتية، وتعطيل الإنتخابات الرئاسية ثم النيابية. وبعد ذلك، ستكون الفرصة متاحة لإعادة رسم كلّ شيء، من الصفر.
ضمن هذه الدائرة، يتحرّك العماد ميشال عون لتحصيل ما أمكن. فهو يفاوض على الحكومة، لكن عينَهُ على الإستحقاق الرئاسي وقانون الإنتخابات والإستحقاق النيابي المقبل. والجسور التي مدّها أخيراً مع السعودية وتيار “المستقبل” كان الهدف منها التخفيف من حدّة “الفيتو” عليه في إستحقاقٍ طال إنتظاره له منذ العام 1989.
ولأنه يمتلك ورقة تساوي مئات الملايين من الدولارات، هي وزارة الطاقة، فهو لن يبيعها إلّا إذا كانت بعبدا هي الثمن. ومن هنا، يتحرّك عون داخلياً وخارجياً ليعرف: هل هناك إنتخابات رئاسية أم لا؟ وما هي حظوظه؟
إذا كانت التسوية بين “المستقبل” و”حزب الله” ناضجة، الأرجح أنّهما لن يتوقّفا عند الإعتراضات المسيحية. وصحيح أنّ عون و”حزب الله” متمسّكان بالتحالف، لكنّ “الحزب” اعتاد على إيجاد طريقة لـ”تطييب خاطر” الحليف المسيحي، فيرضى… ويبتسم!
ونماذج “الحلف الرباعي” عديدة:
– عام 2005، تمّ عزل عون فسارع إلى إبرام “وثيقة التفاهم”.
– عام 2008، وَعَد عون نفسه بالرئاسة وكاد يعطّل مؤتمر الدوحة لذلك، فتمّ الإتفاق على الرئيس ميشال سليمان، وجرى إرضاء عون بالأحجام، ووُعِد بـ”المرّة المقبلة”.
– عام 2013، رفع عون عنواناً كبيراً هو مشروع “اللقاء الأرثوذكسي”. وعندما تعطّلت الإنتخابات، عاد عون إلى قانون النسبية المفضّل لدى “الحزب”.
واليوم، في 2014، إذا تمّت الصفقة الكبرى، فسيقفز “المستقبل” و”الحزب” فوق الإعتراضات المسيحية. وسيجري إرضاء عون مجدّداً بشيء ما أو بوعدٍ ما.
أمّا إذا كانت الصفقة غير ناضجة، لأسباب إقليمية، فسيعلن “حزب الله” دعمه المطلق لعون في حقيبة الطاقة… وهو ما فعله في الأيام الأخيرة. فالحكومة ليست وشيكة، ولا داعي لإغضاب عون مجاناً.
وهناك من يعتقد أنّ “حزب الله” تعمَّد مرّة أخرى إثارة عون تحت عنوان “الغبن المسيحي” ليستثمر الإعتراض إذا ما اقتضت الحاجة منه ضرب التسوية. أو ربّما هناك توزيع أدوار بين الحليفين لهذه الغاية.
وفي الربيع الفائت، استُخدم مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” ورقة. فربح “حزب الله” ضرب الإنتخابات النيابية، وربح عون تحسين شعبيته المسيحية. واليوم يُكرّر عون رفع العنوان المسيحي، وربّما يُكرّر “حزب الله”، بواسطته، ضرب التسوية إذا لم يقتنع بها.
وباتت الطاقة هي الوزارة الإستراتيجية للمسيحيين، مع أنّ المسيحيين يحتاجون فعلاً إلى وزارة كالداخلية تواكب ملف التجنيس وقانون الإنتخاب، أو كالمال تواكب بيع الأراضي على أرض الواقع…  وليس بيع النفط في دهاليز البحار العميقة!