#adsense

الوزارة وظيفة.. وليست ملكيّة خاصة

حجم الخط

في عهود المارونية السياسية التي ظلمها البعض وصوّرها على انها الشيطان الاكبر، متناسياً ما كان عليه لبنان في تلك الايام من رخاء وبحبوحة وعلم وثقافة وفن، ووجود دولة مهابة الجانب، على الرغم من اخطاء البعض وشوائبهم، كانت المداورة في الحقائب الوزارية، نوعاً من تحصيل الحاصل، ولم يكن هناك مشكلة اذا اعطيت هذه الحقيبة الى هذه الطائفة او تلك، وباستثناء ثلاثة عهود شهابية، كانت ترتاح الى شخصين في وزارة الخارجية هما فيليب تقلا الكاثوليكي وفؤاد بطرس الارثوذكسي، حرص رؤساء الجمهورية فؤاد شهاب وشارل حلو والياس سركيس على وضع الوزير المناسب في الحقيبة المناسبة بصرف النظر عن طائفته ومذهبه، وطبعاً من ضمن المشاركة بين المسيحيين والمسلمين، والخلل في المداورة بدأ تحديداً مع اتفاق الطائف وبدء تطبيقه استنسابياً ومشوهاً من قبل نظام الوصاية بوجهيه الامني والسياسي، حيث دفعت بعض الوزارات بدفعة مذهبية شرط ان تحظى بمباركة الاوصياء وحمايتهم، ولذلك كانت الوزارات الدسمة وما يسمى بالسيادية، وقفاً على حلفاء سوريا المقربين، كان توقيت تشكيل الوزارات لا يتجاوز الايام القليلة، من قبيل ذرّ الرماد في العيون، ليس الاّ، لان التشكيلات كانت جاهزة فور استقالة الحكومات وبدء «مسرحية» التكليف، واذا كنت الدولة لا تعيش اليوم احسن ايامها، فان انهيارها وخسارة هيبتها وضعفها بدأت منذ اول التسعينات عندما اخذت بعض الطوائف والمذاهب تصبح اقوى من الدولة، بفعل دعم نظام الوصاية، واستمر الوضع على هذا السوء، حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فاصبح اسوأ وأكثر خطراً وفاعلية.

صحيح ان الاكثرية الساحقة من المسيحيين كانت وقتها خارج هذه اللعبة، ولكن هناك مسيحيين محسوبين على النظام السوري، كانوا ديوكاً في تلك المعادلة، وحققوا مكاسب كبيرة، ما زالوا حتى اليوم يتنعمون بخيراتها سياسياً وغير سياسي، ولكن هذا لا يعني، ان يساهم المغبون سابقاً، او المحروم سابقاً من خيرات الحكم، ان يتصرف بطريقة خاطئة لجعل الخطأ السابق، حقاً مكتسباً خارج احكام الدستور، وتكريسه عرفاً لا يمكن الخروج منه بسهولة لاحقاً.

المادة 12 من الدستور، الى من لم يقرأه بعد، تنصّ على الآتي: «لكل لبناني الحق في توّلي الوظائف العامة، لا ميزة لأحد على الآخر، الا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون» والمادة 28 من الدستور اعتبرت الوزارة «وظيفة» عندما نصّت على الآتي: «يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة..» ومن يشغل وظيفة فهو موظف وليس الها او طاووساً او شخصاً لا يستغنى عنه.

انطلاقاً من هذه المفاهيم والثوابت، فان المزيد من تضييع الوقت لتشكيل الحكومة يتحمّل مسؤوليته طرفان، الاول هو رئىس الحكومة المكلّف، مع كامل احترامي له، الذي يعطي مهلة وراء اخرى منذ تسعة اشهر، ويحدد ثم يتراجع الى ان نصبح قريباً جداً في عنق زجاجة الاستحقاقات، ونكتشف فجأة اننا لم نعد قادرين على عمل شيء، وهو في موقفه هذا، يخدم دون ان يدري من يتعمّد التعطيل للوصول الى الفراغ الكامل، حيث تصبح الحكومة المستقيلة، الآمر الناهي بحكم الامر الواقع.

اما الطرف الثاني المسؤول فهو حتماً فريق 8 اذار الذي يستعمل جميع الاسلحة، كالمناورة، وتوزيع الادوار، والتهديد احياناً والتهدئة المصطنعة احياناً اخرى، والهدف امامه واضح، ان لا حكومة، الا حكومته، ولا لبنان الا لبنانه هو.

يبقى اخيراً سيدنا البطريرك الراعي، الذي لم نعد نفهم عليه ما يريد، فهو حيناً يستعجل تشكيل الحكومة، لأن اوضاع الناس لم تعد تطاق، وحيناً ينصح بالتريث واخذ الوقت لتشكيلها، ويضع شروطاً للقبول بالتشكيل.
احترنا يا سيدنا.

المصدر:
الديار

خبر عاجل