#dfp #adsense

ميثاقيُّون!

حجم الخط

 

 

كيف يمكن لبنان أن يخرج من هذا الإنحطاط السياسي، الذي ذهب بكل ما تبقى من قيم جمهورية، وديموقراطية (وأخلاقية)، فكأن لبنان بات في ظل هذه الظواهر “المرعبة” و”اللامعقولة” والعبثية من دون أسس ولا مرجعيات ولا إشارات دستورية ولا برلمانية ولا حكومية ولا وطنية. هكذا لبنان مُعلق بين تناقضات وتأثرات وارتدادات. لا شيء يستند إليه، ولا شيء يُؤتمن فيه، ولا شيء يُحتمى به. ولا شيء يُلجأ إليه. هكذا، كأن هذا البلد الذي كان شعلة من النهضة والتنوير والمبادرة يطفئونه، ضوءاً ضوءاً. منارة منارة. حلماً حلماً. لا برلمان جدياً. ولا حكومة قابلة للتأليف بعد ستة أشهر من تكليف الرئيس سلام، ولا وزراء يعرفون مآلاتهم ولا لعبة سياسية قابلة للحياة. وفوق كل ذلك يعوم خطاب لم نسمع له مثيلاً حتى أيام الميليشيات. لا حكومة تؤلف لأنه لم يعد هناك حياة سياسية. أو جمهورية جامعة بدستورها وتقاليدها. أو دولة قادرة على التعايش مغ ذهنية اللادولة. وسلاح اللادولة. وتقسيمات اللادولة. الجيش كأنه أحياناً، وتحت ضغط “اللادولة” فاقد البوصلة. “اللادولة” تؤيد قيام الدولة لتلغيها. وأهل الدولة ممنوعٌ عليهم بالقوة استعادة الدولة. فتأليف الحكومة كما نتابع وقائعه تفصيل من تفاصيل أزمة الدولة، بل تضعضعها، وارتجاجها واستلابها.. وفقدان مقوماتها. وان مثل هذه الظهورات الناتئة التي تمتص طاقات الشعب والبنى القائمة والواقعة من أهل السلاح والوصايات، لا تبشر إلا بإعادة انتاج نفسها. أي اللادولة “تنتج” حكومة لا تحكم!

واللادولة تنتج وزارات مستقلة. واللادولة تنتج أمناً، لا متوازناً ولا غير متوازن. لا انتقالياً ولا غير انتقالي. ولهذا فإن مشكلة تأليف الحكومة هي غير التعبير الأبلغ عن الواقع الذي وصلت إليه ظواهر الأمر الواقع، حتى تصبح كل حكومة تؤلف قيصرياً أو قيصري، وكأنها “أمر واقع” حتى ولو سموها إعلامياً “جامعة”. لكن جامعة ماذا؟ ربما جامعة اللاشيء. أو اللامعقول. أو “النهاية” أو بداية “أدهى” حتى كأننا بتنا نعيش مع أهل السلاح والوصايات والمطامع واللصوص نهايات متتالية. احتضارات متتالية: لا الوضع الاقتصادي على عافيته. ولا الأمن ولا السلم الاجتماعي ولا الصراع الثقافي، الفكري، أو التعددي. وعندما نعاود وقائع ما جرى في السابق فكأننا نرى فيلماً شاهدناه مراراً. وكل مرة يسقط شيء من الشريط، وينضاف آخر ارعب. وأحط. وأسوأ. يسقط مشهد توافقي ليعلوه آخر تفجيري. يسقط مشهد حواري ليحل محله مشهد آخر تخويني. يسقط مشهد انساني ليقتحمه مشهد اغتيالي. تسقط تجربة توافقية ليظهرها مشهد انقسامي. فكأن الصراع بات بين ما هو تقسيمي وتقسيمي، بين ما هو جنوني وجنوني. بي ما هو خرافي وخرافي. تخلعَّت المواقع، والسقوف كلها. لا سقف لكلام أو لخطاب. أو لفكرة. أو لاضافة. أو لما يُعيِن استدراج الجمهورية إلى شيء من الجمهورية أو استحضار اللعبة السياسية بمثيلها أو استخراج المنطق من المنطق. جنون جامح. الخطاب السسياسي، اليوم، والطالع من بعضهم، أبعد من التصديق. أبعد من كل حدود. عناوين تتكرر، وكلها تتكرر، فلكي تُفرَغ من قوامها، ومضمونها: الميثاقية. آه! هل بات يعرف أحد ما أصل الميثاقية؟ وظروفها ومتطلباتها؟ حكومة ميثاقية! يجترون كلاماً عليها. والمجترّون هم الذين يلعبون لعبة الاستئثار والغلبة. واسقاط التوازن. حزب الله ألف حكومة قمصانه السود، من فريق واحد. ومن لون أسود واحد. وقام بانقلاب مسلح. وها هو اليوم يتهم 14 آذار بضربها الميثاقية. فكأنه يخبرنا ان الميثاقية بمفهومه، أن يبقى سلاحه مشهراً على اللبنانيين لتتألف حكومة ميثاقية تحت هيمنته. فمعنى الميثاقية عند أهل السلاح، أن الأقوى سلاحاً يجسد الميثاقية وحده. هو المعارضة والموالاة. وهم الحُكم والحَكَم. يذهب إلى سوريا بأمر من ولاية فقيهه، ويُقنعنا أن خطوته الدموية هذه “أجمل تعبير” عن الميثاقية و”أروع دفاع عن لبنان” وأعظم حماية للسلم الأهلي! هذه هي ميثاقيته: ان يلغيها ثم يعيد انتاجها استباحةً، واستفراداً. وميثاقية الحكومة يجب ان تكون ميثاقيته وحده. يحارب في سوريا من أجل تعزيزها. ويُتّهم بقتل خصومه من أجل الميثاقية. ويهدد رئيس الجمهورية باسم ميثاقية الجمهورية. ويمنع تأليف الحكومة على هواه باسم ميثاقيته “الشراكة”. يرفض تغطية وجوده في حربه على الشعب السوري، ثم يرفع تعويذة “الشعب، الجيش، المقاومة” رمزاً لهذه الميثاقية: يتكلم باسم الشعب وحده ليكرس الميثاقية “التعددية”. يحاول مصادرة بعض الاختراقات في الجيش ويستغلها “ليقوي” ميثاقية الجيش نفسه على طريقته. يشهر شعار المقاومة ليفرّق ما يجمع، ويبعثر ما يأتلف ويُهلك ما تبقى من قيم، وديموقراطية وأصول حكم. يُحوِّل المقاومة ميليشيا، وسرايا عدوان شبيهة بالـ “SS” النازية ثم يركز هجوماً على فرع المعلومات. اما الجنرال، فميثاقيته لا تختلف كثيراً عن ميثاقية حزب ايران. انه أول من ألّفَّ حكومةً عسكرية من لون واحد (مسيحي) في التسعينات وها هو اليوم يتغرغر بالميثاقية. شارك في حكومة أُقصي عنها رموز 14 آذار وها هو اليوم يتهم الآخرين باللاميثاقية. هو بالذات تكلم عن المداورة وأهميتها في السابق، وها هو اليوم يعتبر المداورة عدواناً ومؤامرة على “تياره”. هو الذي يكرر ضرورة التزام الدستور. وها هو يأخذ على رئيسي الجمهورية والمكلف ممارسة صلاحيتهما الدستورية: هو يريد ان يؤلف الحكومة أو فليؤلفْ كلُّ فريق حكومته الخاصة داخل الحكومة: حزب الله يختار وزراءه. وكذلك أمل وكذلك التيار وكذلك الكتائب.. والاشتراكي، وكأن هؤلاء كَلّفوا أنفسهم تأليفَ الحكومة ولم يكلفوا تمام سلام. وهكذا يلغي شيئاً اساسياً: دور مجلس النواب في اعطاء الثقة أو حجبها. وعندها يمكن الاستغناء عن المشاورات وتغيير الحكومات والوزراء بحيث “يُثبتّون” في حكومة ابدية متوارثة فيها الحقائب، لتعزيز الميثاقية نفسها. وعندها لا يعود ضرورياً أن يكلف رئيس الجمهورية أحداً. فكل وزير صار مكلفاً أصلاً. وكل رئيس صار مكلفاً أصلاً. وصار المركز الوحيد “المتغير” هو منصب رئيس الجمهورية. هناك الثابت وهنا المتحول. القمة قابلة للمداورة والوزارات وحتى النيابات تبقى هي هي في كهف مكيف خارج المكان والزمان. وهنا بالذات تُفتقد كل عملية سياسية. بل وتُعدم كل أهلية وكفاءة واختصاص. لا شيء! من كل ذلك. انه الخطاب السياسي “المهووس” “المهرطق” المسلوب . المسلوخ عن أبسط التقاليد السياسية والديموقراطية والقيم اللاخلاقية. بل هو الخطاب “الاقصائي” الأقصى، عندما يُحيل كل “زعيم” (من غير شر) الأحقية له ولحزبه . اقصاء جذري. ثقافي. انساني. تفاعلي وجمهوري، لمبدأ المساواة والعدالة وتعدد الفرص؛ فأي حكومة يمكن أن تكون قابلة للحياة في ظل هذه الأقصائية الجذرية؟ وأي برلمان يمكن ان يستبقي دوراً له في ظل هذه الانعدامية. وأي جمهورية يمكن أن تحتضن حكومة رُكبّت على هذه الأسس المانعة من دون أي محاسبة. وأي مراقبة. وأي معالجة. وأي مشاريع. وأي نفط. وأي كهرباء. حكومة تكون طافية على خرابها وفسادها وعلى فشلها، وعلى عدم جدواها. ماذا حلّ بأزمة الكهرباء. (والكهرباء طاقة!) ماذا حلّ بأزمة صلاحيات وزارة الخارجية؟ لا شيء! وزير فتح وزارة على حساب النظام السوري! ماذا حلّ بالاتهام المتبادل بالسرقة بين الوزيرين الصفدي والعريضي. لا شيء! ماذا حلّ بالعقود التي ابرمت من أجل امداد السفينة التركية لبنان بالكهرباء! لا شيء! ماذا حل بحماية حزب الله المتهمين الأربعة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ لا شيء! ماذا حلّ بحماية حزب الله المتهم بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب؟ لا شيء! ماذا فعلت وزارة العدل؟ لا شيء! والأجهزة الأمنية؟ لا شيء! ماذا حلّ بفضيحة “الكبتاغون”؟ لا شيء! وفضيحة “تزوير الأدوية”؟ لا شيء! وماذا حلّ بمحاسبة علي ورفعت العيد؟ لا شيء! ذلك أن الحكومة السابقة لم تكن بوزاراتها كلها مسؤولة عن أي شيء. حكومة يحكمها السلاح لا السياسة، ولا الدستور، حكومة غير موجودة. ميليشيا بلباس حكومي. وبمجلس وزراء غير حكومي. حكومة كل وزير فيها حكومة وكلها وزير واحد. ذلك انها أُلفّت لكي يحكم سواها. ذلك لأنها أُلفت لكي تصادرها قوة سلاح غير شرعي. من هنا بالذات نتساءل: كيف يمكن سلاحاً غير شرعي ان يدافع عن الشرعية؟ كيف يمكن ميليشيا مسلحة أن تدافع عن الكهرباء والماء والدواء وفصل السلطات واعتماد الكفاءة، أي كيف يمكن جهةً مسلحة تهمين على القرار السياسي بالقوة ان تعزز الحياة السياسية! بل كيف يمكن حكومة “غير سيادية” ان تدافع عن سيادتها وحدودها! ذلك ان الحكومة السابقة كانت بلا صوت بلا مجرد صدى لصدى. دمى متحركة بخيوط مرئية جداً. حكومة ظلال. تحولت مجرد مجموعة من الفاسدين والمرتهنين. ذلك لأنها حكومة السلاح الواحد. حكومة بلا رجال حكومة. حكومة رجال “سلطة” لا حكومة “رجال دولة”. فكيف يمكن إذاً أن من ليس من رجال الدولة تمكيناً وثقافة ووطنية، أن يدير حكومة في دولة، أو دولة في حكومة.. فهؤلاء الذين عاثوا فساداً وخراباً في هذه الحكومة التي كانت دائماً “تصريفية” بلا تصريف ، اليوم يحاضرون بالميثاقية و”التوافق” والدستور. من حزب الله إلى التيار الوطني إلى سليمان وزير البنغو. فكأنهم يريدون اعادة انتاج حكومة مموهة مقنعة ببعض الأسماء “المعارضة” طرح الرئيس بري ووافق حزب الله على المداورة. نعم! اليوم المداورة. (لكن هل المداورة في المناصب والإدارات ما زالت قائمة: أين الجامعة اللبنانية بلا مداورة. الأمن العام بلا مداورة. مجلس النواب بلا مداورة! فعليك بها يا بطل الدائرة والمداورة والدوران!) قلنا الرئيس بري صاحب “أحياء” فكرة المداورة. ووافق الحزب الالهي المجنزر في المالية والطاقة والاتصالات! عون اعتبرها منافية للميثاقية. ودبّ الخلاف بينه وبين حلفائه. حزب الله حسبها تكتيكاً. واعلن مؤخراً ان لا بد من اعطاء الطاقة والاتصالات للتيار. طبعاً تلبية لميثاقية عون، وكذلك “لضمانهما الوجود المسيحي في لبنان”! شيء خرافي. ولا بالخيال. ولا في الجنات “تجري من تحتها الانهار”، ولا في جهنم تصلي بنارها… ولا في السيرك.. شيء مفهوم وغير مفهوم. تراجع الحزب تحت ضغط حساباته الصغيرة، عن المداورة حتى كتابة هذه السطور. وطبعاً ستتهم جماعة 8 آذار اليوم أو غداً، 14 آذار بتعطيل تأليف الحكومة. وقد يذهب حزب ايران الى اتهام السعودية تحديداً بهذا التعطيل. (في الماضي كانت اسرائيل!) وسيشن حملة على رئيس الجمهورية ويُتهم بخرق الدستور، وضرب الميثاقية اذا قبل حكومة حيادية 8،8،8 واقترحت لنيل الثقة في البرلمان! مداورة! لا مداورة. ميثاقية! لا ميثاقية، سلاح والف سلاح! حكومة لا حكومة! تهديد! تخوين! تكفير. نعم! انذار بـ7 أيار جديد. نعم! كل ذلك وارد لتغطية فشل حزب الله في اقناعه حليفه بالقبول بغير “الطاقة” و”الاتصالات”! وكل الحملات المقبلة ستقوم اذا ما شكل الرئيس سلام حكومة حيادية… تحت شعار “الميثاقية” وسيصبح سلام الذي حمل شعار والده الرئيس صائب سلام “لبنان واحد لا لبنانان” منتهكاً “دستور” الحزب و”ميثاقية” التيار ومداورة 8 آذار!….
فهل شهدنا انحطاطاً أكثر مما نشهده اليوم؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل