لعلّ أخطر ما يهدّد المسيحيّين في لبنان، بحضورهم ورسالتهم ودورهم وتاريخهم، هو السعي الأرعن لتحويلهم إلى حصص وحقائب، بعدما كانوا حالة حضاريّة ومنارة إشعاع وفعل، على امتداد المشرق، على الأقلّ.
قد يقول قائل من أهل الحصص: ما لنا ولهذه المنارة فهي لا تُسْمِن ولا تُغني من جوع! فمليارات النفط والغاز تحت البحر أضمن وأبقى.
لوهلة أُولى، يدغدغ هذا الكلام أحاسيس المسيحيّين البسطاء، خصوصاً إذا قال لهم المحاصِصون إنّ الطوائف الأُخرى تنعم بثرواتها في مجلس الجنوب وملفّ المهجّرين والهيئة العليا للإغاثة.
ولكنّ جماعة نظريّة الحصص لا يشرحون كيف تكون وزارة النفط خزّاناً للمسيحيّين قبل سواهم، في حين أنّ النفط والغاز ثروتان وطنيّتان منتجتان وليستا أموالاً ريعيّة تُصرَف من الخزينة، كما يحصل في الجنوب والجبل والإغاثة.
هما ثروتان مثل مياه الينابيع والأنهر والمعالم الأثريّة والزراعة والصناعة والسياحة وكلّ مرافق الإنتاج الوطني، وملك عام للبنانيّين يجب أن يُديره حكم رشيد وصالح، لا وزارة تنفيعات.
وإذا كان المقصود تنفيع أقارب الوزير ” المسيحي” ومَحَاسيبه، وتدوير صفقات له ولهم، فقد لمس المسيحيّون وخبروا تجارب قبيحة في وزارتَيْ الطاقة والاتصالات لا تزال روائحها تُزكم الأنوف، ولم يصل منها إلاّ هذه الروائح وسمّ دخانها وجفاف سدودها إلى المسيحيّين المساكين.
إنّ ربط مصير المسيحيّين بهذه الحقيبة أو تلك هو تدمير لقيمهم ومستقبلهم، وجعلهم مجرّد عدد وحصّة.. في محيط جارف يستطيع سحقهم كعدد وأرقام وحصص وحقائب، بينما يعجز عن سحقهم كقيمة مضافة، وكمهمّة توليف الأضداد وتفعيل الحياة المشتركة ونشر القيم.
وتُصبح المسألة أشدّ خطورة حين يتحوّل التشبّث بوزارتين دون سواهما( الطاقة والاتصالات) غطاء لمشروع يخصّ غير المسيحيّين. فتَحْتَ “العباءة”، أو الأصحّ البطّانيّة المسيحيّة، يبني “حزب الله” ووراءه إيران مشروعاً استراتيجيّاً، شاهدنا نماذجه في سيطرة السلاح ومشروع سدّ شاتين وشبكة الاتصالات الخاصّة ومراكز التخابر الدولي، وسنشهد نماذج أخرى في نفط الساحل الجنوبي بحجّة ضرورة السلاح لحمايته.
أليس هو “حزب الله” نفسه مَنْ رفع شبكة اتصالاته إلى المستوى الاستراتيجي واعتبر سلاح الإشارة أهمّ سلاح لديه؟
وغداً سنسمع بأنّ سلاح النفط هو سلاحه الاستراتيجي الجديد وسيحميه كما يحمي النظام السوري والسيّدة زينب. فأين تصبح ثروة النفط “الاستراتيجيّة” للمسيحيّين إذذاك؟!
سبق للمسيحيّين أن اختبروا خدعة مماثلة في مسألة الحقائب: فطالما اعتبروا وزارة التربية محوريّة واستراتيجيّة واستماتوا للحفاظ عليها. وتبيّن لهم مع الوقت أنّ حقيبة هنا وهناك لا تنقذ ولا تضمن مستقبلاً واستراتيجيّات، فضمانتهم الحقيقيّة في وعيهم وانخراطهم في النسيج الأهلي، وفي بناء مؤسّسات الدولة لا في إضعافها عبر محاصصتها وتطييفها ومذهبتها.
ثمّ إنّ التفرّد بوزارة أو إثنتين باسم المسيحيّين “الأقوياء” لا يصحّ: لدى الشيعة مثلاً تشغل “أمل” الوزارات المهمّة مع أنّ “حزب الله” يمثّلهم بقوّة غير خاضعة للنقاش. وعند المسيحييّن، ليس صحيحاً أن الذين يرفعون صوت المزايدة هم أكثريّة، فلا أرقام 2009 ولا أرقام اليوم تدلّ إلى ذلك.
في أيّ حال، ما هو معيار “المسيحي القوي”؟:
هل هو مَنْ يرفع عقيرته الدعائيّة ويشهر خطاباً طائفيّاً مخجلاً عند كل استحقاق للحصص، أَمْ من يقف بصلابة على أرض المبادىء والأسس السليمة لبناء دولة صحيحة وضامنة للبنانيّين وفي مقدّمهم المسيحيّون؟ أليس الرئيس سليمان رئيساً قويّاً، وحزبا “القوّات” و”الكتائب” من أقوياء المسيحيّين اليوم؟
هل “المسيحي القويّ” هو مَنْ يشارك في تسليط السلاح غير الشرعي على الدولة ويبارك تورّطه في سوريّا ويغطّي مفاسده في التهريب والمخدّرات والفوضى الاجتماعيّة وإخفاء مرتكبيّ الجرائم وإقفال مناطق بكاملها بحجّة الحماية من التفجير، أَمْ من يرفع الصوت لضبط هذا السلاح وتغليب السلاح الشرعي وحده، ودعم العدالة الدوليّة لوقف الإفلات من العقاب، وإرساء أسس الدولة والحكم والمؤسّسات؟
ما هو الأهم: التهافت على هذه الحصّة وتلك الحقيبة ، ودائماً باسم المسيحيّين، أم إعلان بعبدا، وتحييد لبنان، وسياسة الحكومة العتيدة خارجيّاً وداخليّاً، ورفض الثلث المعطّل والثلاثيّة القاتلة، شعب وجيش ومقاومة ؟
لا يُمكن حبس المسيحيّين في حقيبة، فحقائب التسفير وبواخر الترحيل لم تحبسهم، ولم تقوَ عليهم.
ولسان حالهم يقول: شتّان ما بين الحصص والأُسس.
فالمحاصِصون يذهبون فرق عملة في تطاحن الأزمات، وزبدهم يذهب جفاءً…
أمّا أهل الأسس والمبادىء فيمكثون في الأرض.