منذ تورّط “حزب الله” في القتال الدائر في سوريا، إرتفع منسوب العنف في لبنان، وبلغ ذروته في جريمة اغتيال الوزير محمد شطح وفي العمليات الإنتحارية التي طاولت مناطق نفوذ “حزب الله”، بما في ذلك السفارة الإيرانية. ناهيك عن الجرح المفتوح في طرابلس، التي شهدت أبشع الجرائم في صيف 2013، وصيدا التي لا تزال تداوي متعلّقات أحمد الأسير، وكذلك عرسال التي تتعرّض منذ اندلاع الثورة السورية لشتّى أنواع المغامرات والإفتراءات والعنف.
تعبّر الطوائف والجماعات كما الأفراد عن قلقها من تردّي الأوضاع الأمنية المتنقّلة. وتقدّم كل جماعة “قراءة” لواقع الحال ومآل الأمور، وفقاً لمنظومة حساسياتها وانفعالاتها وحساباتها “الخاصة”…
فالشعور السنّي بالغبن واضح منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واستهداف قيادات أمنية وروحية سنّية، فضلاً عن استباحة 7 أيار 2008 وصولاً إلى أحداث سوريا. ومن الطبيعي أن تعبّر الطائفة السنّية عن غضبها عندما ترى أنها مستهدَفة من كل حدبٍ وصوب، كما يستسهل البعض رَميَها بالإرهاب رغم الجهود التي تبذلها القوى السنّية في معظم الأماكن: من الأنبار حيث تخوض العشائر وقوى المعارضة مواجهة مزدوجة ضد “داعش” وحكومة بغداد، إلى سوريا حيث يخوض الإئتلاف السوري المعارض معركة على جبهتين ضد نظام الأسد و”داعش” وصولاً إلى حال تيار “المستقبل” في لبنان الذي طلب من أهل السنّة أن لا يكونوا وقوداً في معارك “حزب الله” و”القاعدة”.
هذا الشعور بالغبن، المتنقّل من بلدٍ إلى آخر، يخلق أزمة حقيقية داخل البيئة السنّية لأنه يولّد بعض التيارات المتشدّدة التي ترفض الذلّ وتعتبر أنّ جهود التيارات “المعتدلة” غير كافية من أجل مواجهة “الآخرين”.
من جهةٍ أخرى فإنّ الشعور بالخوف لدى الطائفة الشيعية في لبنان واضحٌ جداً. إذ تتكاثر في الآونة الأخيرة مشاهد الدشم وأكياس الرمل خوفاً من تفجيرات وافدة وغدٍ في مهبّ الريح، رغم الجهود المبذولة من قبل “حزب الله” لطمأنة البيئة الحاضنة، تارةً من خلال تدابير أمنية مكثّفة وطوراً من خلال الإستنهاض السياسي وإيهام الجماعة بانتصارات تتحقق وأخرى قادمة على طريق المفاوضات الإيرانية – الاميركية. والحال أنّ الناس باتت لا تصدّق كل هذه الأمور. وهي تعبّر عن أزمتها من خلال الإلتفاف “القسري” حول “حزب الله”، الذي لا مجال للتفلّت من حالته العسكرية التي “تحميها” في هكذا ظروف، ومن خلال تعبيرها الضمني في المجالس الخاصة عن القلق مما يطالها في افريقيا ودول الخليج، ناهيك عن المواجهة المفتوحة مع السنّة في العراق وسوريا واليوم في لبنان.
أما الشعور بالخوف لدى المسيحيين فيكاد يصبح “متلازمة” أيّ ساندروم. فبعد أن حلّت “ثورة الأرز” الإحباط الذي أصاب هذه الطائفة منذ نهاية الحرب الأهلية، وتمكّنت رموزها وقياداتها من العودة إلى لبنان والخروج من السجن واسترجاع أحزابها التاريخية، دخلت الطائفة المسيحية مجدّداً في حالة من “الإكتئاب السياسي” يصل إلى حدود “النقّ”. المسيحيون يخيفهم المشهد العام، وعن حقّ ينظرون بعين القلق إلى ما يجري من حولهم وينقسمون بين غالبية تعتبر أنّ الأحداث تتجاوزها وتتجاوز قدرتها على التفاعل معها، وعليه هم يمارسون سياسة “الإنسحاب” من الحياة الوطنية سواء في العراق أوسوريا ويكادون يفعلون في لبنان. وهناك أقليّة بينهم تحاول الإحتفاظ بالأمل وروح المبادرة، في بيئة أصبحت تستأنس باكتآبها المزمن!
هذه الأزمات المتنقّلة لا تقتصر على الجماعات. فالأفراد – المواطنون أيضاً في أزمة، سببها الرئيس فقدان قدرة “الدولة”، بمفهومها السياسي والإداري، على تأمين حاجات المواطن الفرد. فالدولة في العراق متعثّرة رغم انسحاب الولايات المتحدة، وفي سوريا حربٌ مدمّرة، كانت ولا تزال تنتج عنفاً وتهجيراً وتشريداً وسجوناً وموتاً ودموعاً، وفي لبنان دولة معلّقة تصطدم منذ العام 1969 بالسلاح غير الشرعي.
في ظلّ هذه الإنقسامات يحاول الجميع، أكانوا سنّة وشيعة ومسيحيين أم دروزاً (هؤلاء اختاروا أيضاً “الإنسحاب” كما المسيحيون)، كلّ واحدٍ بمعزلٍ عن الآخر، تقديم حلٍ لأزمتهم ظنّاً منهم أنهم قادرون على تجنّب العنف من خلال فصل مصيرهم عن مصير الآخر.
إنّ تجربة الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدّت على مدى 16 عاماً كافية من أجل التأكيد أننا حاولنا جميعاً “اختراع” حلول طائفية لأزماتنا المتنقّلة وفشلنا جميعاً.
فلا “كفرشيما – المدفون” حمت المسيحيين من العنف بل العكس تماماً، دخل العنف إلى كل منزلٍ، ولا “دعم الثورة الفلسطينية” كان انتصاراً للسنّة في لبنان، وبالتأكيد فإنّ تجربة “حزب الله” بالمغامرة تارةً في وجه اسرائيل وطوراً في وجه الشعب السوري لم تجلُب إلى بيئته إلّا الكوارث ولا تعدها إلاّ بالكوارث.
إنّ الحلّ الوحيد يكمن في عودة الجميع إلى الدولة بشروط الدولة اللبنانية أي شروط العيش المشترك.
والحال أنّ العيش معاً لم يكن يوماً نتيجة اتفاق بين الطوائف، وإنما كان نتيجةً لاستحالة اللاعيش معاً بعد قيام لبنان الكبير. وعليه فإنّ الحلّ الوحيد يكون بتزويد واقع العيش معاً بـ”إرادة العيش معاً”، بدلاً من الهرب سواء إلى الوراء أو إلى الأمام. وإنّ هذه الإرادة – القناعة هي الأساس الذي تقوم عليه فكرة المقاومة المدنية… ولا حلّ خارج هذه “المقاومة البنّاءة الشجاعة المسؤولة”. فلا تراهنوا – أيها اللبنانيون – إلّا على أنفسكم ومعاً. فخلاصكم يكون بكم جميعاً أو لا يكون، ولجميعكم أو لا يكون.