من سمات المرحلة على الساحة اللبنانية الداخلية في معالجة القضايا والمشاكل الوطنية الكبرى ومنها تشكيل حكومة عتيدة التوجه لدى العديد من الفرقاء في انتهاج اسلوب المعالجة “بالمقلوب” وبخاصة في موضوع تشكيل الحكومة وتداعيات هذا الملف على مجمل الاوضاع الداخلية ان على كافة الصعد الامنية والاقتصادية والمعيشية.
اولاً: لا نفهم كيف يمكن السعي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية في وقت مفهوم “الوحدة” هذه يخضع لاكثر من اجتهاد في التفسير والتصور، بحيث ان الوحدة الوطنية لدى “حزب الله” تعني تبني افكاره والازعان لسياسته التدخلية في سوريا ولتعويذة الجيش والشعب والمقاومة ولبدعة الثلث المعطل، في وقت تترجم قوى “14 آذار” مفهومها للوحدة من خلال تبني اعلان بعبدا وتحييد لبنان من الصراع الدائر في الجوار ومطالبة “حزب الله” بالانسحاب من سوريا وبحث استراتيجية دفاعية لتسوية موضوع سلاحه المتفلت على حساب سيادة واستقلال الدولة اللبنانية وحصرية السلاح الشرعي.
ثانياً: لا نفهم كيف يمكن التكلم عن تعزيز الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها من خلال حكومة تحكم في وقت يسعى “حزب الله” وحلفاؤه الى ترسيخ السيطرة الاستراتيجية للحزب على مفاصل الدولة واملاء خياراته ونهجه على تلك المؤسسات من خلال استمرار اليد الطولى له في قسم كبير من العديد من الاجهزة و الوزارات؟
إن “حزب الله” الى الآن ورغم كل الغبار والضجيج حول تشكيل حكومة “وحدة وطنية” لم يعلن موقفه من تبني اعلان بعبدا والسير فيه في البيان الوزاري للحكومة العتيدة التي ينادي بأن تكون حكومة وحدة وطنية، رغم موافقته على الاعلان مسبقاً منذ طاولة الحوار. كما انه الى الان لم يبد اي استعداد للانسحاب من سوريا ولا التنازل عن الثلث المعطل – وما موضوع المداورة التي شجعها في البداية الا محاولة مبطنة منه للحصول على الثلث المعطل بأسلوب سلس ومتعرج.
ثالثاً: لا نفهم كيف يتكلمون عن حكومة وحدة وطنية ولم يعالجوا الى الآن الاسباب التي ادت الى اسقاط اكثر من حكومة وحدة وطنية سابقة واخرها حكومة الرئيس سعد الحريري. ونشير في هذا السياق الى ان الحكومة العتيدة ستكون مدعوة الى التعامل مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تسديداً لحصة لبنان من موازنة المحكمة السنوية ومؤازرة من الحكومة العتيدة للمحكمة في القبض على “قديسي” حزب الله وفي متابعة جلسات المحاكمات التي انطلقت – وهو – اي حزب الله – في الوقت عينه عضواً في تلك الحكومة وله ما له من نصاب من شأنه ان ينسفها من الداخل كما في كل مرة…
فحكومة وحدة وطنية تفترض ان يقر “حزب الله” ويعترف معه حلفائه بأن ثمة هواجس ومطالب لدى فريق آخر من اللبنانيين عليهم احترامها واعتمادها في صلب برنامج تلك الحكومة، فإن عجز الحزب وحلفائه عن القبول بها فلا نرى كيف يمكن بناء حكومة وحدة وطنية زائفة وعوراء وغير قابلة للحياة؟
رابعاً: لا نفهم كيف يمكن السير في اتجاه حكومة وحدة وطنية وكافة عوامل الوحدة مفقودة ومتناثرة. فمن خلاف على دور لبنان وماهية وجوده وتموضعه في المنطقة الى خلاف على الدستور وتفسيره الى خلاف على ركائز واسس النظام اللبناني الى خلاف على علاقات لبنان بمحيطه القريب والبعيد، كلها ملفات كبيرة وخطيرة هي موضع الخلافات العميقة بين اللبنانيين حالياً بحيث ان لا تدوير للزوايا ولا تنميق للعبارات ولا تكاذب وكذب متبادل وطرح تسويات نصفية وامساك العصا من المنتصف والمسايرة – يمكنها كلها محوها – اذ لن يفيد القفز فوق تلك المواضيع الخلافية للقول بوجود وحدة وطنية تتجسد في حكومة ستكون بالتالي وبلا ادنى شك – عوراء وبتراء وعاجزة عن السير في توحيد البلاد في المدى المنظور والمتوسط … والبعيد ربما …
لذلك فإننا نرفض بعد اليوم انتهاج سياسات ملتوية تعالج النتائج على حساب الاسباب، لان هذا الاسلوب اثبتها عقمه وفشله وتداعياته الباهظة الثمن على الوطن والمواطنين. فحكومة حيادية تقنوقراطية تنكب على معالجة القضايا والشؤون الاقتصادية والحياتية والمعيشية والتنموية للبلاد وتأمن الاعداد السلمي لاستحقاق رئاسي في موعده – تبقى هي الحل الافضل…
