قال الحريري: “لا أريد التحدث عن الحكومة، بل عن المحكمة”، لكنّ سؤالاً يتيماً وجِّه اليه عن تأليف الحكومة، وكانت الإجابة عليه كافية، لفهم قراره الذي أُعلن عنه بعد يومين، في حديثه الى وكالة “رويترز”.
أكّد الحريري في تلك الجلسة مَدّ اليد الى رئيس الجمهورية بإيجابية لتأليف الحكومة، ومَحض الرئيس فؤاد السنيورة ثقته، في عملية التفاوض التي كانت جارية آنذاك، وأوحى بأنّ أيّ حكومة ستؤلّف لن تكون أكثر من حكومة “ربط نزاع”. المحكمة في نظر الحريري هي الأهم، ولكن لا يمكن وَقف كل ما يمكن حصوله في البلد في انتظار انتهاء المحاكمات.
وبغضّ النظر عن سوء الإخراج والتوقيت الذي أعلن فيه الحريري موقفه، والذي أدى في ما بعد الى هبوب عاصفة، استطاع استيعابها في مقابلته التلفزيونية، فإنّ جملة اعتبارات ونتائج يمكن استخلاصها من موقفه هذا، الذي سلّط، عن قصد أو غير قصد، الضوء على جملة من الملفات النائمة، التي لم يكن ممكناً رؤيتها عن كثب، لو لم يصدر الضوء الأخضر من الحريري للسير في تأليف الحكومة.
في طليعة هذه النتائج، ما أدى اليه قرار تسهيل تأليف الحكومة داخل فريق “حزب الله”. فهذا الفريق الذي اهتزّ بعنف، ولكن بصمت، بعد تفاقم الخلاف بين الحزب والنائب ميشال عون، على “تقريش” المكاسب المتبادلة لتفاهم الـ 2006، بحيث بَدا عون في وضع المغبون، بعد أن قرّر الحزب رفض تعيين العميد شامل روكز قائداً للجيش، وبعد أن ترك الحزب لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن يقارع عون في كل الملفات وأوّلها وليس آخرها النفط، وهي مقارعة تمتد حكماً كما يعرف عون الى الملف الحكومي، والرئاسي، حيث يعرف الجميع أن عون لم يرشحه حلفاؤه مرشحاً وحيداً لفريق 8 آذار، تماماً مثلما يعرف أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سيُسارع، اذا نجحت مساعي تأليف الحكومة، الى استنساخ التجربة بمرشّح رئاسي وسطي، وكل ذلك لن ينتظر موعد 25 أيار.
لقد نقلت موافقة الحريري على المشاركة في الحكومة، المشكلة الى فريق 8 آذار. لكنها، وهذا الأهمّ، سلّطت الضوء على الاهتراء الذي بدأ يصيب التفاهم الهجين، وعلى التفاوت في تبادل المنافع الاستراتيجية منها والمصلحية، وإذا كان الاهتزاز الذي عاشته قوى 14 آذار خلال أزمة القانون الارثوذكسي، يمكن وصفه بالخلاف الجوهري الأول الذي أصاب هذه المكوّنات منذ العام 2005، فإنّ ما يجري اليوم في العلاقة بين “حزب الله” وعون، لا يمكن احتسابه الّا في خانة كشف حقيقة التفاهم المصلحي الذي تم توقيعه في كنيسة مار مخايل، حيث بدا أنّ كل الشيكات التي لا رصيد لها دخلت في أوان استحقاقها، ولن تكون محطة 25 أيار خارجة عن هذه الاستحقاقات.
يمكن القول إنّ الحريري دفع ثمناً باهظاً من رصيده الشخصي لتغطية قرار غير شعبي، ويمكن القول أيضاً إنه دفع ثمناً في العلاقة مع حلفائه، لكن قراره تغطية المشاركة في الحكومة بالتشارك مع رئيسي الجمهورية والحكومة المكلّف، الذي أتى بعد انطلاق عمل المحكمة، أدى الى إرباك فريق 8 آذار، والى انكشاف الخلل في العلاقة بين مكوّناته.
وإذا كان من المُبكر الحكم على خطوة الحريري هذه منذ الآن على الأقل في انتظار “الجواب النهائي” لحزب الله بالنسبة الى تأليف الحكومة، فإنّ من الواقعي طرح السؤال عمّا إذا كان الحريري قد كسب رهاناً ثميناً، عندما مَرّ باحتراف في حقل مزروعة بالألغام.