#adsense

ورقة التفاهم تترنّح أمام رياح التشكيل

حجم الخط

 

 

“لا أحد يفاوض باسمنا”. هكذا يقطع وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل الطريق على حليفه كل السبل الآيلة الى إمكان أن يقرر الحزب المسلّح نيابة عن من يحمي له هذا السلاح منذ العام 2006 وربّما قبل، فيما يفاوض باسيل عن كل المسيحيين، ولهؤلاء الحق أيضاً في أن يقطعوا له طريق التفاوض على حقوقهم. مرّت ثماني سنوات على اتفاق التفاهم بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحرّ” ويبدو أن نهاية المسلسل، الخالي من الأبطال، تصل إلى حائط مسدود، والكل مقبل على خاتمة حزينة، أو هي بالأحرى خاتمة الأحزان.

عند هذا الحدّ، صار لزاماً على “حزب الله” أن يعي تحذيرات صهر الجنرال الحليف، فالصهر “سند الظهر”، يشعر اليوم بأنه لم تعد هناك من إمكان للسكوت على ما يقرّره الحزب نيابة على “التيار”، فشهر في وجهه سنَد أسهمه المتراجعة في بورصة التفاهمات. فالوقت ليس مناسباً اليوم للعب بالحقائب أو التبرّع بالمناصب، فالبلد مقبل على محطات متعاقبة من إنتاج النفط، مع كل ما يعنيه استخراج الذهب الأسود من استقرار وعيش هانئ، ولا تتحقّق هذه الشروط إذا ما فاوض “حزب الله” هذه المرة عن “التيار”.

ففي العام 2006، قدّم “التيار” الغالي والنفيس لإرضاء “حزب الله”. ومرّت العلاقة بالعديد من المطبّات التي ظهر فيها “التيار” وكأنه لم يقدّم الغالي والنفيس لقناعة في نفسه بأن هذا هو الخيار الوطني الصائب، أو هو القرار الذي ترتأيه المصلحة العامة للبنانيين… فالقصة اقتصرت على “النوم في العسل” في كل مراحل المفاوضات السياسية المفصليّة التي تتحكّم بسمعة لبنان ومصير اللبنانيين وإشعال الضوء الأخضر للسلاح غير الشرعي، في المقابل يستفيق “التيار” عند أول مفترق يشعر فيه بأن هناك من سيسلبه حصّته أو أن هناك من يفاوض بالنيابة عنه لتسوية أمر المحاصصة… وكما كان “نهر البارد” خطاً أحمر بالنسبة الى “حزب الله” فإن الحقائب والحصص هي الخط الأحمر بالنسبة الى “التيار”.

ليس بالحصص والحقائب وحدها يحيا الإنسان… فبين “حزب الله” الذي يستجرّ التنازل تلو التنازل من “التيار” منذ العام 2006، والأخير الذي يطالب بحصص مقابل انبطاحه المستدام، يضيع حقّ المواطن اللبناني بالسلم والسلام وبتلقّيه الخدمات الحياتية اليومية والكماليات، وتطيير المبادئ المنشورة، ويصبح كلام “التيار” ورئيسه عن الدستور والميثاق والقانون مجرّد تنظير وكلام شاعري وعناوين برّاقة وشعارات ملتبسة يسعى من خلالها الى شدّ عصب جمهوره وإعادة توجيه انتباههم الى ما تبتغيه مصالحه ليتبنّاها الجمهور. ففي كل مرة كانت تهتزّ العلاقة بين الطرفين يعود تسليط الضوء على “ورقة التفاهم” ويتم تبادل الاتهامات بين هذا غير الملتزم بها وذاك الذي يخرق بنودها، تماماً كما حصل حين اختلفا في موضوع المياومين في “مؤسسة كهرباء لبنان”، ثم في التمديد لمجلس النواب، ثم التمديد للقادة العسكريين والأمنيين واليوم في الموضوع الحكومي…

قصة المثل المعروف “وافق شنّ طبقة” قد تنطبق على ثنائي متماثل ومتشابه، وليس بالضرورة أن يتميّزا بالفطنة والعقل كما هي حال شنّ وطبقة… إنما يكمن السؤال المحوري في ما إذا كان الطرفان توافقا فعلاً أو ترافقا فقط؟ ويمكن أن ترسو الخلاصة على قاعدة “ترافقوا بس ما توافقوا” على أساس أن العلاقة المبنية منذ “النظرة الأولى” على المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة لا يمكن لها أن تثبت عند الضرورات الوطنية وأن تأخذ بالشروط الميثاقية.

إن أبرز ما تميّزت به حكومة بشار الأسد في لبنان هو تعدّد المواضيع الخلافية التي ظنّ “التيار” والحزب أن التفاهم بينهما سيرغمهما على تذليلها… وعلى الرغم من أن الحياة “أخذ وعطاء” غير أن الحليفين “على الورق” صمّما على أن تكون الحياة التي جمعتهما تحت سقف النظام السوري مبنية على الأخذ من دون العطاء، الى أن كاد الأخذ المبني على الأطماع يسلب منهما ما اعتقدا أنه حقّ لهما في ما هو من حقّ الشعب اللبناني فقط.

العلاقة المشتركة بين الحزب و”التيار” جمعتها المصلحة ويبدو أن المصلحة تلك لم تُصلح علاقتهما… تفرّق العشاق، عشّاق السلاح والاجتياح من جهة وعشّاق المناصب والكراسي والحقائب من جهة أخرى. في النهاية لم يضحِّ أي منهما من أجل الآخر لأن في التضحية بذل الذات للآخر، ومعروف أن العلاقة الثنائية الخالية من التضحيات لا تدوم، كذلك فإن السلاح لا يدوم، و”شماعة” الحقوق لا تدوم، واللعب على أوتار الطائفية لا يدوم، وربط الاستقرار بالنفط لا يدوم…

برهنت العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحرّ” أن ورقة التفاهم من دون غيرها يصحّ فيها القول إنها حبر على ورق، وأن لا الأول يحق له أن يقرر عن الطائفة الشيعية ولا الثاني يحقّ له التفاوض باسم الطائفة المسيحية. أثبتت هذه العلاقة، لأصحاب العلاقة فقط، أن الوطنية وحدها تدوم والتسابق على الخدمة العامة هو ما يجدي… الأدلة كثيرة فهل من يتّعظ؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل