Site icon Lebanese Forces Official Website

الراعي استنكر انفجار الهرمل وحمل مسؤولية كل الجرائم للذين يعرقلون تأليف الحكومة أو يخططون للفراغ الرئاسي

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد تقدمة الرب في الهيكل، في كنيسة السيدة في بكركي، عاونه فيه المطرانان عاد ابي كرم ويوحنا علوان، في حضور سفير لبنان في روما شربل اسطفان، رابطة خريجي معهد الرسل برئاسة ربيع نعمةالله افرام، جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة بشخص رئيسها العام الاب مالك ابو طانيوس ومعهد الرسل ورئيسه ورئيس الرابطة الفخري الاب سامي بطيش والعديد من المؤمنين.

وبعد الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان “ان عيناي قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته نورا للامم”(لو 2: 30-32)، وجاء فيها: “تحتفل الكنيسة اليوم بعيد دخول المسيح إلى الهيكل، وهو تذكار تكرسه لله، بعمر أربعين يوما، حسب شريعة موسى. وفي المناسبة تقام صلاة البركة على أمه مريم، لأنها تدخل إلى الهيكل للمرة الأولى بعد الولادة. كما يقدم الوالدان عن طفلهما ذبيحة محرقة شكر لله وذبيحة خطيئة للطهور: حملا وفرخ حمام أو يمام، أما للفقراء ففرخي حمام أو يمام (لا 12: 6-7)، هذا ما قدمه والدا يسوع. وأتى سمعان الشيخ إلى الهيكل بإلهام من الروح القدس. فأخذ الطفل بين يديه، وصلى متنبئا: “الآن، أطلق يا رب عبدك بسلام… لأن عيني أبصرتا خلاصك الذي أعددته نورا للأمم”(لو2: 30-32). واحتفالا بالمسيح – النور، تحتفل الكنيسة، في هذا العيد، بتبريك الشموع”.

أضاف: “يسعدنا أن نحتفل معا، بهذه الذبيحة الإلهية وبهذه الرتبة المقدسة، ونصلي لكي ننال نعمة الاستنارة بنور المسيح، نور شخصه وكلامه وآياته، فنسير في طريق الاستقامة، ونجد الأجوبة على تساؤلاتنا، ونهتدي إلى الحلول الفضلى للأزمات الطارئة. ونصلي من أجل المسؤولين في بلادنا، لكي يستنيروا بهذا النور الإلهي، فيبلغوا إلى اتخاذ القرارات الملائمة للخروج من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية”.

وتابع: “إني أحيي وأرحب بجميع المشاركين معنا، وبخاصة برابطة خريجي معهد الرسل – جونيه، رئيسها السيد ربيع نعمةالله افرام، ومجلسها وأعضائها وعائلاتهم. إنها مذ تأسست في سنة 1954، وهي تعمل، على مدى ستين سنة إلى الآن وعبر العديد من النشاطات المتنوعة، على تحقيق أهدافها الثلاثة وهي: إنماء علاقات الصداقة والتعاون بين قدامى المعهد وعددهم اليوم عشرة آلاف، تمتين روابط التعاون مع الإدارة والطلاب الحاليين لخيرهم المتبادل، وتعزيز التنشئة الوطنية ودور المعهد في هذا المجال”.

أضاف: “إنني أحيي جمعية المرسلين اللبنانيين ومعهد الرسل. وإنا نبارك هذه الرابطة ونشاطاتها، لما لها من دور كبير في بناء نسيج المجتمع اللبناني على الوحدة والمحبة والتعاون”.

وقال: “يذكرنا عيد تقدمة الطفل يسوع لله في الهيكل، بأن الحياة البشرية التي تولد هي عطية من الله وهو سيدها، وله الأولوية المطلقة عليها: يعطيها بواسطة الوالدين، ويستردها بالموت ساعة يشاء. وتذكرنا وصية الشريعة القديمة بتقدمة الولد البكر لله، وهو بمثابة “باكورة” الزواج، بالإقرار بأولوية الله على الخلق كله”.

وتابع: “هذا كله يكشف لنا أن الحياة البشرية حقيقة مقدسة وكلت إلينا من الله الخالق لنحافظ عليها وننميها بطريقة مسؤولة، وأنها قيمة مقدسة من بدايتها حتى نهايتها. وانكشفت بالأكثر قدسية الحياة البشرية وقيمتها بتجسد ابن الله الذي اتحد نوعا ما بكل إنسان، فأظهر حب الله اللامتناهي للبشرية وقد خلقها بحكمة، ووهب كل إنسان قيمة لا تضاهى. الكنيسة تجد نفسها مؤتمنة على إعلان إنجيل حب الله للانسان، وإنجيل الكرامة البشرية، وإنجيل الحياة. هو إنجيل واحد لا يتجزأ، وهو ذاك “الفرح العظيم” الذي أعلنه الملاك ليلة ميلاد ابن الله إنسانا: “إني أبشركم بفرح عظيم، يكون للعالم كله، لقد ولد لكم اليوم مخلص، هو المسيح الرب”(لو2: 10-11). لفظة إنجيل تعني إعلان هذا الخبر السار. لذا، الانسان، كل إنسان، هو درب الكنيسة الوحيد وطريقها الأساسي (راجع البابا يوحنا بولس الثاني: إنجيل الحياة، 1 و 3). ويجب أن يكون أيضا درب الدولة ومؤسساتها وغايتها”.

أضاف: “فكم يؤلمنا وآلمنا بالأمس الانفجار في مدينة الهرمل العزيزة حيث سقطت ضحايا بريئة وجرحى. ويتكرر الاستهتار بقدسية الحياة البشرية، وبحياة المواطنين الآمنين، وبمنازلهم ومتاجرهم وجنى عمرهم، ويتواصل الاعتداء على الله عز وجل، وعلى شريعته الصارمة والقاطعة: “لا تقتل”. إننا، مرة أخرى، نحمل مسؤولية كل هذه الجرائم للأفرقاء السياسيين الذين لا يقرون بأن الدولة هي للمواطنين لا لهم، وأن مؤسساتهاالدستورية هي لخدمة المواطنين لا لتسلطهم عليها وعليهم، ولا لتأمين مصالحهم الشخصية والفئوية والمذهبية، ونحمل المسؤولية لكل الذين يرفضون المصالحة والتفاهم، ولكل الذين يعرقلون تأليف حكومة جديدة غايتها الإنسان لا الحقائب، ويهددون أو يخططون للفراغ الرئاسي. يا رب، ليصل صراخ دماء الشهداء الأبرياء إلى أذنيك وقلبك، ومس ضمير كل مسؤول عن مآسي هذا الوطن وشعبه. فأنت وحدك السيد المطلق، وحقيقتك تسود كل حقائق البشر وكل ما يظنونه حقيقة، فيما هو في الواقع وهم وسراب”.

وتابع: “سمعان الشيخ، الذي حضر إلى الهيكل بإلهام من الروح القدس، رأى في الطفل يسوع الخبر المفرح، بل رأى فيه المخلص الآتي، واعتبر أنه بهذه الرؤية قد بلغ ذروة معنى الحياة وغايتها، ولا يبغي سوى المشاهدة السعيدة وجها لوجه في مجد السماء، فهتف: “الآن أطلق يا رب عبدك بسلام، لأن عيني أبصرتا خلاصك” (لو 2: 29-30).

وقال: “غاية الحياة البشرية أن نرى وجه الله الظاهر في وجه المسيح، الإله المتجسد، وأن نختبره وجه محبة ورحمة وسلام، وأن نشهد له في بناء مجتمع أكثر إنسانية، تنعشه المحبة، وتظلله الرحمة، ويسوده السلام”.

وتابع: “في هذا الضوء، تعمل الكنيسة من أجل خير الإنسان، فتعنى بتنظيم علاقته بالله، خالقه وغاية وجوده، وبأخيه الإنسان، روحيا وأخلاقيا واجتماعيا. وتسهر على قيام مجتمع تسوده الأخوة، وتنظمه العدالة الاجتماعية، وتتأمن فيه كرامة الشخص البشري وحقوقه، وتحقيقه لذاته وعيشه الكريم على أرض وطنه، ومصيره الأبدي. وتطالب بوطن يقوم على أساس “دولة حرة سيدة مستقلة”، يكون فيها الشعب حقا وفعليا “مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”، كما ينص الدستور اللبناني في مقدمته (“أ” و “د”). وفي كل ذلك، تترك الكنيسة للسلطة السياسية الخيارات والقرارات التشريعية والإجرائية والإدارية والقضائية، شرط أن تؤول إلى خير المواطنين، كل المواطنين، وإلى الخير العام الذي منه خير الجميع وخير كل إنسان، فإلى خير الوطن بكيانه وصيغته، وبميثاقه ومؤسساته”.

أضاف: “تدرك الكنيسة تماما أن رسالتها متجهة نحو الهدف الذي رسمه لها مؤسسها الإلهي، وهو تكوين جماعة بشرية وفقا لشريعة الله الموحاة ولشريعته المطبوعة في طبيعة الكائن البشري والخلق، صنع يديه. ليست رسالتها أن ترسم أو تعتمد نظاما سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا محددا (راجع شرعة العمل السياسي، ص 9 و 12). ولكن، كل نظام أو أداء سياسي يهدد كرامة الإنسان وحياته، أو يسلبه حقوقه الأساسية، أو يستعمله كسلعة أو متراس أو رهينة، أو يستغل ثقته بسوء استعمال السلطة، فيحرمه حقه في الأمن والسلام والاستقرار، إنما يمس الكنيسة في صميم فؤادها، ويمس إيمانها بابن الله الذي بتجسده وبسر الفداء، صار قريبا لكل إنسان وشعب وأمة (راجع شرعة العمل السياسي، ص 16)”.

وتابع: “لذلك، ولبنان يمر بأزمات سياسية واقتصادية وأمنية تهدد كيانه وشعبه ومؤسساته، وهو على مشارف استحقاق رئاسي، يتهيأ فيه، وسط عواصف هوجاء، لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، يكون عهده مميزا بالتحضير للاحتفال بالمئوية الأولى على إعلان لبنان دولة مستقلة في سنة 1920، باسم “لبنان الكبير”، رأينا من واجب هذه البطريركية أن تصدر، بمناسبة عيد مار مارون، وهو عيد وطني، مذكرة وطنية” بأربعة فصول، نعلنها الأربعاء المقبل وفيها:

أولا – التأكيد على الثوابت الوطنية التي نؤمن بها.

ثانيا- طرح الهواجس التي تراود الشعب اللبناني.

ثالثا – رسم أسس المستقبل.

رابعا – تحديد الأولويات التي يتمسك بها اللبنانيون، من أجل مستقبل أفضل.

نأمل في أن تساعد هذه “المذكرة الوطنية” السلطة السياسية ورجال السياسة على حسن انتقاء خياراتهم وقراراتهم، وإعادة الحياة الوافرة إلى المؤسسات الدستورية والعامة، وتأمين الخير العام، وخير كل مواطن”.

وقال: “قدم يوسف ومريم فدية عن الرب يسوع زوجي حمام (راجع لو 2: 24)، لأنهما فقيران، وليس بإمكانهما تقدمة حمل، كالميسورين. لكنهما في الحقيقة، بتقدمة الطفل يسوع لله بكل حب وإيمان وتقوى، إنما قدما، من دون أن يعرفا، الحمل الحقيقي، يسوع الذي سيصبح حمل الفصح ويذبح لخلاص الجنس البشري. أما سمعان الشيخ فأدرك، على هدي الروح القدس ونور المسيح، أن هذا الطفل هو الفادي الآتي، فتنبأ قائلا لمريم أمه: “هذا الطفل جعل لسقوط ونهوض الكثيرين. أما أنت فسيجوز سيف في قلبك” (لو 2: 34-35)”.

وتابع: “لقد أمرنا هذا الفادي الإلهي، الذي اشترى الإنسان، كل إنسان، بدمه الثمين، بالمحبة لكل إنسان، وجدد في شريعته الجديدة الشريعة القديمة الآمرة: “لا تقتل”، بل سما بها إلى أعلى من الحرف فعلم بكلام قاطع:

– “قيل للأولين: “لا تقتل”. أما أنا فأقول لكم: لا تغضب على أخيك، ولا تحقره فإنك بذلك تستوجب القضاء” (راجع متى 5: 21-22).

– “قيل للأولين: “العين بالعين، والسن بالسن”. أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير بالمثل” (راجع متى 5: 38-39).

– “قيل للأولين: “أحبب قريبك، وأبغض عدوك”. أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى من يبغضكم، وصلوا لأجل الذين يضطهدونكم” (متى 5: 43-44).

أضاف: “هذا هو نور شخص يسوع المسيح، ونور إنجيله، الذي تنبأ عنه سمعان الشيخ عندما رآه طفلا، وهتف: “إن عيني أبصرتا خلاصك، أيها الرب، هذا الذي أعددته نورا لهداية الأمم، ومجدا لشعبك” (لو2: 30-32). فلنجدد إيماننا بنور المسيح، فيما نحتفل بتبريك هذه الشموع، ونحملها مضاءة، معلنين هذا الإيمان بنشيد: “يا مسيحا جئت نورا، كي تنير العالمين”.

وتابع: “من شأن هذا النور أن يعلمنا حقيقة الله، وحقيقة الإنسان، وحقيقة التاريخ. ولأنه نور العدالة والسلام، فإن الكنيسة ترفض العنف والحرب والإرهاب، وتدعو إلى حل النزاعات بالطرق السلمية، بالحوار والتفاوض والاتفاقيات والمواثيق. ولذلك تندد تنديدا صارما بالجرائم والانتهاكات التي تستهدف الحياة البشرية: كالقتل الفردي والجماعي، والتفجير، والإجهاض، والقتل الرحيم، والانتحار المتعمد، والتعذيب الجسدي والنفسي، والخطف، والاعتقال، والتهجير، والإفقار، والدعارة، والعنف المنزلي، وظروف العمل المشينة، واستغلال الضعفاء. هذه كلها تمس الكنيسة في صميم قلبها. ولا يمكنها أن تقف حيالها مكتوفة الأيدي أو صامتة (راجع إنجيل الحياة، 3)”.

وختم الراعي: “إهدنا بنورك إليك، أيها المسيح، بروح العبادة، وإلى كل إنسان بروح المحبة له، والاحترام لكرامته. ويا مريم أمنا، أم النور الإلهي، ساعدينا لكي نعكس نور المسيح، نور المحبة والوحدة والسلام، في العائلة والمجتمع والوطن. فنستحق أن نرفع من قلوب نقية نشيد المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين”.

بعد القداس، استقبل الراعي المؤمنين المشاركين في القداس، ومن أبرزهم: رئيس مجلس ادارة مستشفى البوار الحكومي الدكتور شربل عازار، الشيخ سعد فوزي حماده الذي نقل لغبطته من والده شيخ آل حماده رسالة تضامن وتأييد لمواقفه الوطنية، مستنكرا ما “يجري على الساحة اللبنانية”، ومعتبرا “أن الوضع بات يحتاج لقمة روحية على مستوى رؤساء الطوائف لعرض الاوضاع الخطرة والسبل الآيلة الى معالجتها”، منوها ب “جهوده الجبارة التي يبديها ويعمل من أجلها لخلاص لبنان”.

كما التقى الطالب الاكليريكي رامي حنا القزي الذي تعرض للخطف، جاء شاكرا له مساعيه الخيرة.

Exit mobile version