وفي موازاة المشهد السوري الذي يتطلّب لوحدِه قراراً جريئاً من “حزب الله” بفكّ ارتباطه العسكري بهذه الأزمة، دخل المشهد اللبناني بقوّة إلى صلب المواجهة الإقليمية، مع سقوط دعوة السيّد حسن نصرالله للقتال في سوريا وتحييد لبنان، حيث أدّى انخراطه إلى توحيد الساحتين وتحوُّل مناطقِه عرضةً للاستهداف، ولم تفلح كلّ الإجراءات الأمنية بوضع حدّ للسيارات المفخّخة، ولا بل من الصعوبة بمكان وقفها طالما إنّها ناتجة عن انتحاريّين.
وفي حين كان يؤمل أن يشكّل موقف قوى 14 آذار برفض الجلوس مع “حزب الله” رادعاً سياسياً أمام مواصلة قتاله السوري، نظراً لحاجته إلى الغطاء السنّي، بعد تحوّل المواجهة إلى سنّية-شيعيّة، أدّى تنازل هذه القوى عن شرطها إلى تشجيع الحزب، ولو بشكل غير مباشر، على الاستمرار في سياساته، ولكنّ الأخطر من ذلك استمرار التفجيرات وتنامي التطرّف على حساب الاعتدال، والصرخة التحذيريّة التي أطلقها النائب خالد الضاهر بعد الاجتماع الإسلامي الموسّع الذي عُقد في منزله يجب أن تؤخذ في الاعتبار قبل فوات الآوان من قبل: “المستقبل” الذي يشكّل الضمانة لثقافة الاعتدال، ويتوقف عليه عدم تقديم التنازلات السياسية التي تفقده القدرة على الإمساك بالشارع، وينعكس ضررها على كلّ اللبنانيين. و”حزب الله” الذي عليه أن يدرك أنّه أوصل لبنان إلى حافة الانفجار، وأنّ سياسة التعمية التي يتّبعها لم تعد تنفع، وآخرها النغمة الببّغائية التي يردّدها الملتحقون بخطّه عبر تساؤلهم: هل التفجيرات التي تقع في العراق وليبيا واليمن ومصر وغيرها سببها تدخّل الحزب في سوريا، أم وجود شبكات إرهابية يجب التوحّد لمواجهتها؟
والحقيقة أنّ الإرهاب في لبنان ما زال يختلف عن الإرهاب في العالم العربي، أقلّه على مستويين: إرتباطه المباشر بالأزمة السورية، بدليل أنّ التفجيرات بدأت بعد “القصير” لا قبلها، وانحساره داخل البيئة الحاضنة لـ”حزب الله”، وهذا الكلام لا يعني تبريره، إنّما للقول إنّ إمكانية معالجته والسيطرة عليه ما زالت متوافرة، وإنّ عامل الوقت ثمين جداً، لأنّ التأخّر في المعالجة سيحوّل لبنان إلى مرتع ومصنع للإرهاب، ويؤدّي بالنتيجة إلى فرطعته بعودة المربّعات والترسيمات الطائفية.
وتجنّباً للأعظم، وبعد تخلّي 14 آذار عن دورها كوسيلة ضغط على “حزب الله” للانسحاب من سوريا، وبعد انتفاء العوامل الموجبة لقتاله، يبقى الأمل الأخير معقوداً على البيئة الحاضنة للحزب، والتي وحدها تمتلك مفتاح إخراجه من سوريا وإنقاذ نفسها ولبنان.
ومن المعلوم أنّ هذه البيئة تعيش للمرّة الأولى في حالة من الخوف والرعب، وهذا أمر إنسانيّ وطبيعي يقتضي أقصى درجات التضامن اللبناني-اللبناني، ولكن على هذه البيئة مسؤولية ذاتية ووطنية برفع الصوت في مواجهة إصرار الحزب على سياساته لا الوقوف ضدّه، إذ لا أحد يراهن أو يريد فصل الحزب عن جمهوره، إنّما المطلوب من هذا الجمهور الدفاع عن مصالحه ووجوده وأسلوب عيشه، والتبريرات التي تعطى من أنّ خروجه من الوحول السورية يفاقم الوضع التكفيري في لبنان مجرّد تبريرات واهية لعدم الإقدام على خطوة الانسحاب.
فقوّة “حزب الله” من قوّة بيئته وجمهوره، ومواصلة قتاله في سوريا ستؤدّي إلى إنهاك هذه البيئة وإضعافها واستطراداً إنهاكه وإضعافه، والمقصود ليس بالتأكيد الدفاع عن الحزب ومغامراته، إنّما الدفاع عن لبنان عبر توسّل الفرصة الأخيرة المتمثلة بضغط بيئته لخروجه من سوريا قبل فوات الأوان، خصوصاً أنّ هذه البيئة تعيش، فضلاً عن ذلك، في حالة من الضغط الكبير، نتيجة المحكمة الدولية والموقف العربي من الحزب والعقوبات الدولية والضحايا التي تسقط في سوريا والانقسام اللبناني…
وكلّ مَن يعتقد أنّ حكومة جامعة تؤدّي الغرض المطلوب فهو واهم، ولا بل خطوة من هذا النوع تفقد صمّام الأمان داخل الطائفة السنّية، أي “المستقبل”، دورَه، ولا حلّ إلّا بانسحاب الحزب لإسقاط الذريعة الكامنة وراء التفجيرات، ومن ثمّ اتّخاذ الإجراءات المشدّدة على الحدود وفي الداخل بغية تحويل ظاهرة الإرهاب من ظاهرة جماعية إلى فردية، والقضاء عليها.
