هل ثمّة نظام حاكم يتّهم معارضة له، بعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار في سوريا، بأنها معارضة لا تمون على مناطق لا يمون بدوره عليها؟.
في الواقع، يحاكي هذا النظام، بشكل هزليّ وبائس، موقف الحكومات الإسرائيلية في مرحلة الإنقلاب على عملية السلام مع الفلسطينيين، حيث صارت تعمد الى اعتبار الفلسطينيين “المعتدلين” اما غير متحكمين بالميدان وغير قادرين على الالتزام بتعهداتهم، واما متواطئين مع “المتطرفين”. الشيء نفسه حاول وفد النظام السوري القيام به في مونترو: محاولة الترويج الى انه ليس هناك “شريك نزيه وقادر” في عملية السلام السوري الداخلية باستثناء النظام نفسه، و”المعارضة الشريفة” خليلته.
لكن بنتيجة هذه المحاكاة الهزلية، ما الذي يطلبه النظام السوري من المعارضة؟ أن تصير ذات صفة تمثيلية أوسع بحيث تدمج “المعارضة الشريفة”، خاصة النظام في اطارها، وأن تصير ذات فعالية ميدانية بحيث تدمج مسلحي التشكيلات الجهادية المتطرفة في منظومتها. بمعنى آخر، هو نظام يبحث عن آخر مشروعية خطابية له، بدعوى أنه يريد الاطمئنان الى مستقبل سوريا قبل أن يرحل، والا فلن يرحل. حالة غير مسبوقة بهذا القدر من النفاق الرخيص: حيث أنّ المتحدث بلسان النظام لم يطرح نفسه أساساً على أنه يمثل نظاماً حاكماً بل على أنه مراقب عام على أعمال المعارضة السورية، يتكلم كما لو أنه يريد “التصحيح” من داخلها.
هو نظام يريد أن يعلّم الثورة كيف تثور عليه، ويريد أن يعلّم المفاوض المواجه له كيف يحقق مراده بشكل أفضل. هو نظام يريد أن يشعرك في كل لحظة أنه كان الود ودّه أن يثور على نفسه، سوى أنّ مؤامرة قامت عليه، منعته من الثورة على نفسه، فاختار بدلاً من ذلك سبيل مواجهة المؤامرة ليس ليحافظ على معادلته الفئوية وموقعه التحالفي الممانعاتي، وانما لأنه يرفض أن يسيء الثوار لبعضهم البعض، وشغله الشاغل تطوير عملهم الجبهوي، وتكريس فعاليتهم الميدانية.
في سوريا اليوم حرب أهلية. في هذه الحرب الأهلية طيف الثورة على نظام آل الأسد لم يزل حياً يرزق. أنصار الثورة كما أنصار النظام لا يستطيعان الاقرار بمقولة الحرب الأهلية دون صعوبات. في صفوف أنصار الثورة، الحرب الأهلية مفهوم يهدّد بجعل المتحاربين متماثلين، وانكار واقعة ان ثمة نظاماً يواجه منتفضين عليه ومنشقين عنه. في صفوف النظام، الحرب الأهلية هي أيضاً مفهوم صعب قبوله، الا نكاية بالثوار، لأنه نظام يجنح الى تفسير كل الانفجار الحاصل ضده على أنه “مؤامرة”. مع ذلك، فان الثورة السورية ليست اول ثورة تختلط بالحرب الاهلية، وان كان العنصر الأساسي الذي ينبغي الالتفات له فيها هي أنها حرب أهلية لا تحصل بين “متساوين” في خوضها، وانما أساساً بين نظام وبين منتفضين عليه، وبين نظام يفاخر بأقلويته الآن في وجه نسيج أكثري يراهن الأسديون ويروجون الى أنه لن يجد طريقه الى الوحدة، لا بل ينصّب وليد المعلم نفسه غيوراً على هذه الوحدة في مونترو، فيسأل أين المعارضة “الشريفة” وأين داعش؟ لكنه قبل أن يسأل عنهما فهو يطرح نفسه لا كنظام، وانما كهيئة عليا لتوحيد الثورة السورية. انه نظام أضاع نفسه.