يدفع حزب الله اليوم ثمن هذا التعامي المقصود عن الحقائق، ويدفع الضحايا الأبرياء، ثمناً لحريقٍ لم يكونوا سبباً في إشعاله، ويدفع لبنان فدية مجانية، لخدمة مشروع الدفاع عن وجود النظام السوري، والأخطر أنّ هذا الثمن مرشّح للارتفاع، باعتراف الجميع بأنّ الفتنة المذهبية التي تمّ إيقاظها، لا بدّ أنّها ستتدحرج ككرة ثلج هوجاء، لن يستطيع أحد إيقافها.
وإذا كان النظام السوري يشاهد سعيداً استعار الحرب المذهبية، فإنّ المفارقة تكمن في موقف حزب الله الذي ذهب الى سوريا بطلب إيراني إنقاذاً للنظام. فالحزب يتلقّى نتائج هذه الحرب، التي يشارك حليفه في تسعيرها، تارةً عبر مدّ “التكفيريين” غبّ الطلب، بالسلاح والمال والنفط، وطوراً عبر تشجيع تنفيذ عمليات الثأر والتفجير المتبادل، لإقفال الباب أمام أيّ احتمال، ولو بالحدّ الأدنى، لتخفيف الاحتقان المذهبي. مفارقة تفجير المسجدين في طرابلس، تحمل كثيراً من الدلالات، حيث دلّت التحقيقات الى أنّ إخراج قيد شيعيّ رماه الجناة في مكان الجريمة، لتسعير الفتنة المذهبية، وما لبث التحقيق أن اكتشف أن ليس لهذا الشخص المنتمي الى حزب الله، أيّ علاقة بالتفجير. في حين ثبتت مسؤولية النظام السوري عن ارتكابه.
لم تكن آلة الإتهام بالتكفير جديدة، فالرئيس رفيق الحريري كان النظام السوري وحلفاؤه يتّهمونه بأنّه تكفيري. هؤلاء بنوا كلّ استراتيجتهم بهدف البقاء، على نظرية التخويف من الأكثرية التكفيرية التي تريد ابتلاع الأقليات واضطهادهم. وقد جاءت الثورة السورية لتكشف كثيراً من عمل هذه الآلة الدعائية، ومن أساليب البطش الموازية، التي ارتكبت في سوريا ضد ملايين السوريين، تحت يافطة محاربة التكفير، حتى كاد البعض يصدّق أنّ مئات الآلاف الذين تظاهروا في حماه، أعضاء مؤسّسون في “داعش”، وأنّ الشعب السوري بأكثريته هو مجموعة من تنظيم “القاعدة”، وأنّ الرئيس سعد الحريري، هو بن لادن بربطة عنق، كما يردّد بعض أصوات النظام السوري في لبنان.
من المفارقات اليوم أنّ عبء مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، سواءٌ منها التي أنتجها النظام السوري، أو التي سبّبها قتال حزب الله في سوريا، أو التي سعّرها المسلسل اللبناني المستمر في محاربة الاعتدال منذ العام 2006، سيُلقى على عاتق هذا الاعتدال نفسه، وعلى حلفائه في العالم العربي والإسلامي.
منذ الآن بدأت الجهات المعنية في الطائفة السنّية، تدرس مدى اتّساع هذه الظاهرة، بما يعني ذلك من حركات أصولية كانت مختنقة في ظلّ أكثرية الاعتدال، تستعدّ اليوم للتحرك تحت ستار المواجهة، مع ما تسمّيه امتهان حزب الله المتكرّر للطائفة السنّية، وما بعض التحرّكات في طرابلس وغيرها، سوى مؤشّر على هذا التحرّك. كما أنّ الدرس يصل الى تفقّد أوضاع بعض المشايخ، الذين فقدوا ميزة القدرة على التمييز بين تهدئة الشارع، وتغطية من يخترقونه بمشاريع مشبوهة، وبعض هؤلاء اتّخذ مواقف تفتقد للاتّزان في الفترة الأخيرة.
ويصل درس أوضاع الطائفة، الى رصد بعض الاختراقات الخطيرة، التي نفّذها النظام السوري، والتي تستعدّ لتوليد “دواعش” جديدة. هنا يفترض مواجهة التحدّي الذي يمثّله بعض اللابسين ثياب الإسلاميين، منهم في سجن رومية، والآخرون يتحرّكون على الارض، وينفّذون أجندة تخدم هذا النظام.
في العراق أخذت الصحوات السنّية على عاتقها مسؤولية محاربة التطرّف، الذي غذّاه النظام السوري تحت شعار محاربة الاحتلال الأميركي، وفي سوريا تتكفّل المملكة العربية السعودية بتمويل وتسليح “الجيش الحر” الذي يقاتل “داعش” التي يدعمها النظام. أمّا في لبنان، فإنّ موجة التفجيرات الإرهابية المعروفة الأسباب، سترتدّ عاجلاً ام آجلاً إلى محاربة الاعتدال، وسيكون الحريري أمام مسؤولية التصدّي للتطرّف، فما هي آليات هذه المواجهة التي تعني نزاعاً مع أصوليتين؟ ومن هم الشركاء المؤهّلون لخوضها؟