سيدي الرئيس،
تحية وبعد،
أكتب إليك لأنقل همّاً هو أبعد ما يكون عن الشخصي، وإن كان يعنيني في شكل مباشر، فكرياً وثقافياً وإنسانياً ومعنوياً و”عاطفياً”. لقد طفح كيل الاعتدءات التي يتعرض لها بعض الكيان اللبناني: نصف هذه الجمهورية التي تتولى رئاستها، مهانٌ بشكل ممنهج، تحت مرآك ومرآنا، مسامعك ومسامعنا. لن ألفّ ولن أدور ولن ألمّح: ثمة حاجة ماسة اليوم الى إصدار مرسوم بإنشاء وزارة خاصة بحقوق المرأة في الحكومة اللبنانية، على غرار ما هو قائم في بلدان لا تُعدّ ولا تُحصى في العالم، متقدمة علينا بأشواط على هذا المستوى، لكنها، على رغم ذلك، تصرّ على اعتبار مسألة المساواة شأناً قانونياً ودستورياً، ضرورياً، ملحاً، أولوياً، وشمولياً.
قد أجدكَ تسارع إلى القول في قرارة نفسك، وأنتَ تقرأ هذه الرسالة، إن منظمات المجتمع المدني التي تهتم بهذا الموضوع في البلاد، كثيرة. أنت على حقّ، يا فخامة الرئيس. لا بل إن بعض هذه المنظمات يقوم بعمل ممتاز في نسج شبكات أمان تخفف وطأة العنف المعنوي والجسدي الذي تعانيه النساء. لكن، يهمّني أن ألفت فخامتك، إلى أنه ينبغي لهذه المنظمات أن يكون لها مُحاوِرٌ رسمي، تنفيذي، في مكوّنات السلطة، يتفاعل معها ويسهّل أعمالها، وخصوصاً على مستوى دفع عجلة القوانين التي من شأنها تحسين الأوضاع المهينة والمذلة للمرأة. ينبغي أن يتوافر لهذه المنظمات عنصر “ضغط” من داخل مؤسسات الدولة التنفيذية، يُشعرها بأنها ليست هامشية، وبأن هناك سنداً حكومياً، يرافقها من وادي الظلال الى شمس الأمان.
قد أجد بعض مستشاريكَ يومئون أمامكَ، قائلين إن إنشاء وزارة كهذه، “ترف” في الوقت الراهن، حيث يشهد لبنان تهديدات مصيرية لكيانه. لي من العمر، يا سيدي الرئيس، ثلاثة وأربعون عاماً، لم أشهد خلالها يوماً خالياً في لبنان، من التهديدات المصيرية لكيانه. فحتّام ننتظر؟
قد أجد مستشارين ماليين يلفتونكَ إلى أن وزارةً لحقوق المرأة، لا بدّ أن تضاعف الأعباء المادية الناجمة عن تخصيص موازنة لها، ناصحين إياكَ بغض النظر عن مبادرةٍ كهذه. لا، يا فخامة الرئيس. الصحيح أن تكلفة هذه الوزارة متواضعة للغاية، وهي لن تكسر ظهر حكومات تحترف هدر الأموال: فيديو كليب بالناقص من وزارة السياحة عن مفاتن اللبنانيات أو عن طعم التبولة مثلاً، من شأنه أن يمشّي عجلة الوزارة. صدّقني. ثمّ، هاكَ هذه الفكرة: لا شك عندي في أن جهات أوروبية مستقلة عدة ستكون مستعدة لدعمها. فهذه ليست وزارة للبهورات والتنمير والتفشيخ والمواكب والجيبات، يا سيدي الرئيس. كما لا يخفى على أحد من الطامحين إلى الاستيزار، أن من يريد الاغتناء والفخفخة، لن يرمق هذه الوزارة بطرف عينه: “لشو؟ طلّة بلا غلة”. يكفيها، هذه الوزارة، أن يُخصَّص لها مكتبٌ واحد يكون مقرّاً لأعمالها، في السرايا الحكومية مثلاً؛ وقاعة اجتماعات واحدة للقاء المعنيين والمعنيات أفراداً ومؤسسات؛ وخط هاتف “ساخن” واحد لتلقي الشكاوى؛ وحفنة موظفين وموظفات دافعهم الأول إيمانهم بضرورتها وأهدافها، لا “تطليع المصاري”.
من الإيجابيات “الجانبية” لإنشاء وزارة كهذه، بالاضافة الى الإيجابيات البديهية، أنها لن تكون وزارة “مسيحية” استراتيجية لكي يستشرس العونيون في المطالبة بها باسم مريم العذراء ومصير المسيحيين؛ وأن “حزب الله” “مش فاضيلا” بالتأكيد؛ وأن الرئيس المؤبد لمجلس النواب لن يجد نفسه معنياً بها (ما فيها عنب)، وأن جماعة 14 آذار قد يحتاجون الى عقد من الزمن للتوافق عليها؛ وأنها لن تعجب، حكماً، لا البطاركة ولا الشيوخ الأجلاء. أي أنها متحررة من الأحزاب والطوائف والولاءات، وليست وفية إلا لذاتها، أي لكرامة المرأة اللبنانية وحقوقها وصوتها ودورها وحاجاتها وقدراتها.
سيدي الرئيس،
أنا امرأة لبنانية، ولكن هل أنا مواطنةٌ لبنانية؟ كلاّ. طالما أنّ القوانين التي تسري عليّ وتتحكم بأوضاعي، ليست هي نفسها القوانين التي تسري على الرجل اللبناني وتتحكم بأوضاعه. لا يمكن الحديث عن “مواطنة” حقيقية بمنطق “الإيد والإجر”. يتباهى لبنان، واللبنانيون، بأننا بلدٌ منفتح وحداثوي ومتقدّم، لكن الواقع غير ذلك. عارٌ على دولة تدّعي أنها “جمهورية ديموقراطية” أن تفتقر إلى قوانين تعامل جميع مواطنيها بالطريقة نفسها، وتحاسبهم على الأسس ذاتها.
المطلوب طبعاً أن تتولى شؤون هذه الوزارة امرأة مستقلة كفوءة (الكفوءات كثيرات) أقله في المراحل الأولى لإنشائها، علماً أنني أحلم بأن يتولاها رجل في مراحل لاحقة، عندما يفهم اللبنانيون أخيراً أن مسألة حقوق المرأة شاملة وإنسانية ووطنية، وليست حكراً على “النسوان”.
سيدي الرئيس،
إقبل مني هذه الرسالة – المبادرة، عشية المحاولات الحثيثة واليائسة لتأليف الحكومة العتيدة، وعشية اقتراب عهدك من تسليم أمانته الرئاسية. أؤكد لفخامتكَ أن لبنانيين كثيرين سيتذكرونكَ بالخير، لأسباب عديدة، وها ثمة سبب مضاف، من جانب المرأة اللبنانية بالتأكيد. والسلام.
