ولان عون كان يتطلع الى حكم البلد انتقائيا تولى السلطة عبر بيان وزاري لا ميثاقي «قدمه الى الامة في مؤتمر صحافي» جراء عجزه عن جمع مجلس النواب، في الوقت الذي كانت هناك حكومة امر واقع برئاسة الدكتور سليم الحص بعد اغتيال رئيسها الاصيل رشيد كرامي، وقد استمر هذا الوضع المتردي في ظل الحكومتين حتى اقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف قبل الاطاحة بعون اللاميثاقي في انقلاب عسكري نفذه الجيش اللبناني بقيادة العماد اميل لحود وبمساعدة عسكرية ومباشرة من الجيش السوري!
وتجدر الاشارة الى ان البيان الوزاري لحكومة ميشال عون العسكرية تضمن جملا استفزازية لا ميثاقية ولا قانونية تحت عنوان مواجهة الظروف الاستثنائية، مع العلم ان شكلها ومضمونها تجنبا لغة الحوار، لمجرد ان الرجل كان يتطلع الى حكم البلد عبر مطلق وسيلة ما زاد في حجم الكارثة السياسية التي تسبب بها مع طاقم حكمه اللاميثاقي واللاوطني، ادى الى تطور الاحداث سلبا وانحسار النظام والقانون والشرعية، ومن هنا بالذات يمكن سؤال الجنرال المتقاعد عما يعنيه بالنسبة الى مطالبته بالميثاقية للمشاركة في الحكومة العتيدة، ليس لانه يتطلع الى رئاسة الجمهورية بمساعدة من حزب الله، بل لان الغاية لا تبرر الوسيلة المنفصلة عن معالجة الجذور السياسية للازمة التي يمر بها لبنان جراء عدم الاتفاق على الاصول الدستورية والقانونية، بما في ذلك الاعراف والتقاليد.
لقد استغرق عون في حكم البلد بطريقة لا دستورية ولا ميثاقية من 22 ايلول 1988 الى 25 تشرين الثاني 1989، قبل ان يجبر على الفرار الى السفارة الفرنسية ومنها الى باريس عبر صفقة سياسية، تأمنت له من خلال احد انجال الرئيس السابق الياس الهراوي، من غير ان يسأل نفسه او ان يسأله احد عن ميثاقية حكومية في زمن افتقد البلد سلطاته ووجوده لولا اتفاق الطائف الذي عارضه عون بداية قبل ان يعود الى اعتباره مخرجا دستوريا لكل ما حل بالبلد من ازمات كارثية حتمت عقد اجتماع للنواب اللبنانيين في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية في الثاني والعشرين من تشرين الاول 1989، حيث وضعوا ما سمي بـ «اتفاق الطائف» الذي صدق في جلسة عقدها مجلس النواب في مطار القليعات في الخامس من تشرين الثاني من العام عينه وصار دستورا للجمهورية الثانية!
لقد عرف عون انذاك ان حكومة اللاميثاقية ستكون سببا لتحقيق الانقسام الوطني وتكريس تقسيم البلد بين طوائفه، لكنه اعتبر ان خطوته قد تصبح مدخلا الى تحقيق الوفاق والوحدة ولو من خلال القوة العسكرية التي مارسها من خلال المدافع والدبابات من غير ان يكون مجال لميثاق او تفاهم!
في يومنا الحاضر، يطالب العماد المتقاعد ميشال عون بحكومة ميثاقية «ليشارك في الحكومة» ولا يرى في العروض التي قدمها له الرئيس المكلف تمام سلام ما يزيل الشك من نفسه، ظنا منه انه من الافضل بقاء البلد من دون حكومة، ما قد يساعده على اعادة ترميم مواقعه السياسية والنيابية، عله يصل الى رئاسة الجمهورية بعد بضعة شهور من الان فيما يعرف تماما ان الرئاسة بعيدة تماما عنه، كي لا نقول طويلة على (…) كونه لا يعرف من اين يجب ان يبدأ من حال ميثاقية مشوهة او من خلال ضرب الدستور عرض الحائط، فضلا عن تزوير القوانين والاعراف!
والى كل ما تقدم فان عون يتطلع منذ الان الى عرقلة فكرة الانتخابات الرئاسية ليس لانها ميثاقية بامتياز، بل لانها لن تصل به الى ابعد من مجلس النواب ومن رئاسة كتلة نيابية فضفاضة اسهم في تأمنيها له تحالفه مع حزب الله الشيعي في عدد من مناطق الانتشار في المتن الشمالي وبعبدا والبقاع الغربي وجبيل من غير ان ننسى تخليه عن الميثاق لما فيه مصلحة حزب الله في حربه في سوريا، وفي الحالين لن يكون امام عون سوى التفرج على الحكومة الجديدة من غير ان يشارك فيها؟!