#adsense

حول مواقف الحزب والتيار الأخيرة: النوايا في الخفايا والخبايا

حجم الخط


بعد كل التعقيدات التي خطط لها وافتعلها الجنرال عون، وبعد مواقفه التصعيدية التي كاد فيها أن يحصر بنفسه وبصهره كل الصلاحيات السياسية والوطنية والتشريعية، وبعد أن عين نفسه حاكما على لبنان وزعيما مطلقا لمسيحييه، يقرر ما يشاء ويأمر بما يشاء ويخطط بكل السبل والأساليب المخالفة للدستور وللقوانين وللعرف وللأسس الميثاقية والوطنية الأساسية التي نشأ عليها لبنان دون أن يحق لأي كان، حتى لحلفائه الذين نهضوا به وآزروه وسيّدوه، مخالفة مشيئته ومناوءة قراراته المنزلة، بعد ذلك كله هل ينهي الرئيسان سليمان وسلام، معضلة تشكيل الحكومة التي ما أن يخيل للبنانيين أن طارئا إيجابيا ما قد وضعها على سكة الحل، حتى يطرأ عائق جديد، مخرجا الحل عن سكة التوافق والإقرار والتنفيذ إلى أفق من المجهولية المتجددة بإرادتهما المشتركة المرتكزة إلى وعي عميق للمصلحة اللبنانية العليا، وللوحدة الوطنية التي ينادي بها البعض جهرا ويعملون لنقضها سرا، وبالتالي هل يقدم الرئيسان، إن لم تنجح مساعي ربع الساعة الأخير، على تأليف حكومة الواقـع الوطني والمصلحة الوطنية والإنقاذ من تدهور الأوضاع إلى الهاوية السحيقة.

سؤال وضع اللبنانيين في موقع التشكيك وخيبة الأمل والإستعداد لموجات جديدة من الأخطار والتراجعات والإحتمالات السلبية الحادة، وفي طليعتها التخوف من التفخيخ والتفجير والموت العشوائي، وقد جاء تفجيرا الهرمل والشويفات الأخيرين، كما جاءت «تفجيرات» العماد عون في مواقفه الأخيرة، لتكثف وتلبد الهواجس والمخاوف لدى عموم اللبنانيين.

لماذا يغلّب اللبنانيون مجمل التوقعات السلبية القائمة، على التوقعات الإيجابية؟
ولماذا لم يعد أحد يصدق التصريحات والأقوال الرسمية وغير الرسمية، بأن الحكومة ستشكل خلال أيام ظنا من البعض بأن شيوع عمليات التفخيخ والتفجير الأمني إلى هذا الحـد المرعب، قد يكون دافعا للجميع إلى تخطي الحواجز وتشكيل الحكومة العتيدة، ولو بعملية قيصرية.

ها هي مواقف العماد عون الأخيرة، تحجب عنهم جميعا، إمكانية الإنقاذ والخلاص بالرغم مما شهدناه لفترة ما من خطوات على مستوى أغلبية الفرقاء الأساسيين باتجاه الوصول إلى حل ما يؤمن لهم حكومة تحكم البلاد وتدير شؤونها وتمسك بزمام أمنها وتقـوّم اقتصادها وأحوالها المعيشية وتسعى إلى إجراء الإنتخابات الرئاسية في موعدها، وتملأ الفراغ الرئاسي في حال تأخر انتخاب رئيس جديد للجمهورية أو تعذر إجراء هذا الإنتخاب لأي سبب كان، وتسعى في الوقت القصير الذي تبقى مـن عمرها الإفتراضي المنمنم، إلى إقرار قانون إنتخابي جديد، وإجراء انتخابات برلمانية مقبلة على أساسه، بالرغم من ذلك كله، عاد الضاغطون باتجاه الحلول خطوات نحو فرملة مساعيهم لمعالجة مستجدات الرفض القاطع لدى التيار العوني، للتخلي عن وزارتي الطاقة والإتصالات، والتقيد بمبدأ المداورة الذي وافق عليه الجميع، ويزعم التيار العوني بأنه لا علاقة له بما اتفق عليه الآخرون في غيابه، وأنكر علاقته بمثل هذا الإتفاق، وهدد الجنرال وبعض معاونيه بالويل والثبـور، إن غامر الرئـيس سلام وأعلـن عـن أيـة صيغة رئاسية من صيـغ الوزارات التـي لا يرضـى عنها التيار وحلفاؤه، بما فيها صيغة «وزارة بمن حضر» فاستدعى ذلك تراجعا على ما يبدو من حزب الله عن توافقاته التي قاد الرئيس بري مفاوضاتها لمدة استغرقت بضعة أسابيع مرّت دون حل ملموس ومعتمد من الجميع، وسط رفض التيار ومعارضة «القوات»، مما أتاح للتيار العوني أن يعلن وفق مندرجات استنتاجاته وأسبابه ومراميه، إلى الزعم بأن هناك معارضة مسيحية شبـه شاملة لحكومة لا تتألف على الأسس التي بات من المطلوب أن يحددها بالنتيجة، التيار العوني، وفقا لإرادته ومصالحه وسط مماحكات ومناورات مستغربة، ويقف الرئيس بري شبه متفرج عليها، ذاكرا أن جهوده قد جمدت وأنه قد أنهى عسكريته بهذا الخصوص وكفى الله المؤمنين شر القتال، ليقابله الجنرال عون منذ يومين بوداع انقلابي (وداعا أيتها الشراكة الوطنية) أتحف فيه جميع اللبنانيين، بتصريح يستخلص منه أن الأمور في ميدان 8 آذار قـد وصلت إلى حافة مهوار خطر، وربما إلى نهاية درامكاتيكية جنبا إلى جنب، الدفع بالوطن كله إلى مهاوي المجهول الرهيب.

وتذكّر اللبنانيون، السياسات التي لطالما اعتمدها حزب الله في حالات سابقة عديـدة، كـان فيهـا كلما أحرجه توجه ما، أو كلما رغب في التنصل والتهرب من موقف ما، وكلمـا رأى أنـه من الأهـون له والأسهل أن يـرمي بكرته بكل أشكالها وإشكالياتها ومراميها في ملعب التيار الوطني الحر، الذي لا مانع لديه من رعاية ألعابها وشوطاتها وأهدافها، طالما أنها تخدم في الوقت نفسه، أهدافه هو، وفي طليعتها دون شك، الإنتخابات الرئاسية التي باتت تصرفات الجنرال، سابقة للجميع في مباشرة خطواتها التمهيدية والعملانية منذ الآن، وباتت كل التصرفات التي تطفو على ساحة الأحداث، إنما هي موظفة ومبرمجه لهذه الغاية بالذات.
إن حزب الله ومما يتبدّى من خلال تصرفاته الأخيرة بهذا الصدد، وبالرغم من المواقف الإيجابية الأخيرة للرئيس سعد الحريري، التي فتحت بابا واسعا لكل الإنطلاقات الجدية باتجاه حل معضلة تشكيل الحكومة، فإننا أمام واقع عملي لا بد من الإقرار بوجوده يدفع إلى الترجيح بأن الحزب ما زال على موقفه الأساسي الساعـي إلى الإمساك الخانق بعنق الدولة وأنفاس السلطة، وأن غايته الثابتة حتى الآن، ترمي في الواقع، إلى البقاء على وضع الفراغ الحكومي القائم، توطئة منه للإمساك بموقع رئاسة الجمهورية المقبلة إذا ما شاءت الظروف أن يرعاها ويقود سلطتها ويفرض توجهاتها، على الوضع الحكومي المصرّف للأعمال، برئاسة الرئيس ميقاتي وليس الرئيس سلام، وكل من يتحرك في غير هذا الإتجاه سيكون، مهددا ب 7 أيار جديد، وبردع مسلح وغير مسلح، في شتى مواقع الضغط والتأثير، ويعزز هذا التوجه ويقوي هذا الإستنتاج، إضطراب التوافق الأميركي -الإيراني ولو إلى حين، وإخراج إيران من دائرة الاشتراك في مؤتمر جنيف 2 وتحجيم دورها ولملمته قدر الإمكان في إطار المعضلة السورية..

من هنا تبرز بعض المواقف المتحفظة تجاه موقف الرئيس سعد الحريري بهذا الخصوص لتعطيها ولو بعض الحق لجهة شكوكها وتحفظها على مواقف حزب الله ونوعية تموضعه في خضم الإشكالات والاعتراضات الحاصلة، وتركيزها على وجوب الإمتناع عن مزيد من التنازلات للفريق الآخر الذي يفسرها على أنها ضعف وتراجع بينما هي في الواقع نابعة عن وعي عميق للمصالح الوطنية التي تسعى إلى تجنيب البلاد أخطار التهاوي والدمار المؤسف، في الوقت نفسه الذي يعمد هذا الفريق إلى ابتلاع مواقفه واتفاقاته الكتابية والشفهية، كما يبتلع شربة ماء، ويمحو بعد عملية الابتلاع، ما حصل قبلها، ويؤسس خطوات جديدة مختلفة لما سيحصل بعدها.

وعليه، يبدو أن ضغوطا هوجاء تنصب في هذه الأيام للإستحصال على جديد من التنازلات قبل وعند تأليف الحكومة الجديدة، ولعل أهمها ما هو حاصل بخصوص إعطاء وزارة الطاقة للعماد عون ولصهره بالتحديد، وبخصوص توزيع الوزارات السيادية بين مجمل الفرقاء الأساسيين والفرعيين، خاصة بعد أن اخترع التيار الوطني الحر وزارات سيادية جديدة على نحو ما فعله بخصوص وزارة الطاقة التي انعم الله عليها إضافة إلى ذلك، بوجه مسيحي يرفعه المسيحيون عنوانا لعزتهم ورفعتهم !!، وبالتالي، فان «14 آذار» مدعوة اليوم إلى درس مواقفها بمزيد من المراجعة والتمحيص، وأخذ وضعية التلاعب بالمواقف وتوزيع أدوارها ما بين فرقاء الطرف الآخر بعين الاعتبار، حتى تكون في مأمن من نتائج الأدوار المتبادلة، وحتى لا تكون ضحية الشره العوني لرئاسة الجمهورية وقرار حزب الله الحقيقي بوجوب مماشاته ورد الجمائل له، كائنا ما كانت الدوافع والأسباب، خاصة وأن مصالح كل من الحزب والجنرال تدل تطورات الأحداث على أنها تتلاقى في عملية العرقلة والتعطيل المستمرة من خلال تبادل الأدوار والمواقع.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل