#adsense

الراعي لـ”الجمهورية”: من تلبسه الصفات التي وضعتها المذكرة هو الرئيس

حجم الخط

كتب ألان سركيس في “الجمهورية”

أخيراً، وبعد طول انتظار، خرَجت مذكّرة بكركي الى الأضواء، بعدما انكبّت البطريركية المارونية على تحضيرها منذ الصيف الماضي بمساعدة المركز الماروني للأبحاث، وهي تأمل أن تخرق المشهد السياسي والوطني الجامد، مُطبّقةً شعار “بدلاً من أن تلعن الظلمة، أضِئ شمعة”.

حاول البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالإضافة الى القيّمين على الكنيسة المارونية، الإقتداء بأسلافه من البطاركة الموارنة، وخصوصاً البطريرك الياس الحويّك صانع “لبنان الكبير”، على رغم معرفة دوائر بكركي أنَّ الظرف الحالي يختلف عن فترة توَلّي البطريرك الحويّك السدّة البطريركيّة، لأنّ الموارنة كانوا في ذلك الحين في عزّ فورتهم وصعودهم على المستويات كافة، أمّا الآن فهم في أدنى مراتب تراجعهم وانكفائهم، إذ إنّ محاولات البطريرك الإنقاذية مع اقتراب عيد مار مارون شفيع الطائفة المؤسسة للبنان، لن يُكتب لها النجاح اذا لم يسانده الزعماء المسيحيون ويقتنعوا بالمذكّرة ويحاولوا تطبيقها.

تتناول “المذكرة الوطنيّة” شؤون الوطن وشجونه على الصعد كافة، وقد ارتأى الراعي تسميتها هذا الإسم لأنّ البطاركة كانوا يُطلقون مثل هذه المذكرات في مراحل مصيرية من تاريخ شعبهم ووطنهم.

لكن بعد التمعّن في المذكرة، يتَّضح أنّها برنامج للرئيس المقبل إذا تمَّ انتخابه، فقد أكد البطريرك الراعي لـ”الجمهورية” أنّ “هذه الوثيقة تشكّل برنامج عمل للرئيس المقبل، وهي تساعده على ادارة البلاد لمدة 6 سنوات”، مضيفاً: “إقرأوا الوثيقة وفتّشوا جيّداً… المرشّح الذي “تلبسه” هذه الصفات والمستعدّ لالتزام المذكّرة يكون رئيساً، فمنطلقات الرئيس الجديد وثوابته يجب أن تكون منها، ونحن إيجابيون ونقبل بأي مرشّح يحمل الثوابت الوطنية التي ندافع عنها”.

برودة وسخونة

لم تنعكس برودة صباح بكركي، داخل قاعة اجتماع مجلس المطارنة الموارنة الذي التأم عند الساعة التاسعة صباحاً. ففي الخارج ترقّبٌ لِما سيصدر، وحركة كثيفة. مطارنة يخرجون من القاعة، يُجرون اتصالاتهم أو يصعدون الى الصرح البطريركي، فيما الاعلاميون ينتظرون. وفي وقت كان يُنتظر من المسؤول الاعلامي في الصرح وليد غياض أن يخرج ويحدّد الموعد الدقيق لتلاوة المذكرة، خرج الراعي قرابة الساعة الحادية عشرة والنصف وصعد درج الصرح من دون أن يتوقّف، بل أعلن وهو يسير أنّ المذكّرة ستُقرأ عند الثانية عشرة ظهراً، لكنّ أحداً لم ينتبه إلى توقيت عودته الى القاعة.

قبل تلاوة المذكّرة، توافد الى الصرح من عَمِل طيلة الفترة الماضية على اعدادها، فحضر الأمين العام لحزب “الوطنيين الأحرار” الياس أبو عاصي، السفير السابق عبدالله بو حبيب، والوزير السابق روجيه ديب. وسأل أبو عاصي الأب باسم الراعي، وهما يهمّان بالدخول الى القاعة، عن سبب البرد القارس في بكركي، فأجابه الأب الراعي: “هواء بكركي دائماً مسِمّ”.

وعلى عكس الصقيع في الباحة الخارجية، ساد نقاش “حارّ” اجتماع المطارنة. والملاحظ لدى الدخول الى القاعة، أنّ بعض المطارنة شرب قنّينتين من المياه وبعضهم ثلاث، والدليل على ذلك، كان بقاء القناني الفارغة أمامهم. أما بعض المطارنة فلجأ الى المكننة، فأحضر بعضهم “اللابتوب” الخاص به، فيما لا يزال بعضهم الآخر يكتب ملاحظاته على الورق. وقبل بدء البطريرك بكلمته، إنشغل رئيس أساقفة حيفا والأراضي المقدسة للموارنة المطران موسى الحاج بأخذ الصور للمطارنة من هاتفه، لنشرها ربما على مواقع التواصل الإجتماعي. وحده الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير لا يُحرّك ساكناً، فركّز على قراءة المذكرة من دون أن ترفّ عيناه، لنحو نصف ساعة، فلم يلتفت لا شمالاً ولا يميناً.

بعدما شكر النائب البطريركي العام المطران سمير مظلوم المركز الماروني للأبحاث وكلّ من عمل على إنجاز المذكّرة، جاء دور الراعي الذي سأل ما إذا كان كلامه يُنقل مباشرة، ليبدأ تلاوة المذكرة عند الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق، أي متأخراً 10 دقائق عن الموعد الذي حدّده للإعلاميين. وبعدما شرح الأسباب الموجبة لهذه المذكّرة، انتقل الى تفنيدها، حيث ركّزت على الثوابت الوطنية، وأبرزها: العيش المشترك، الميثاق الوطني، والصيغة. ثمّ طرح الهواجس الراهنة، “فالوضع بلغ مرحلة الأزمة المصيرية، والكيان دائم الإهتزاز، والمواطن في مهبّ الريح. ومن نتائج هذا المنزلق الخطير، بروز “الأمن الذاتي” الذي يُعلّل مبرّر وجوده بعجز الدولة عن الوقوف في وجه المخاطر الحيوية، فيُبيح لنفسه حق الدفاع عن ذاته. وعندئذ ينجَرّ القوي إلى فرض خياراته على الآخرين، فتبدأ المواجهة في الداخل، ويلجأ كل فريق إلى الاستقواء بالخارج، فتدخل البلاد في صراع المحاور”.

ورأت المذكرة أنّ “هناك عدم وضوح في تحديد المصلحة الوطنية المشتركة العليا والالتزام بها، وتكبيل المؤسسات الدستورية ورهنها بخيارات الأفرقاء الذين يدَّعي كلّ منهم أنّ خياراته هي المُنجّية. وقد طغى على الحياة السياسية استغلال مبرح “للديموقراطية التوافقية”، ما أدى إلى عجز اللبنانيين عن إيجاد الحلول داخلياً، وحاجتهم الدائمة إلى ناظم خارجي يُبدع لهم التسويات”.

ولفتت الوثيقة إلى أنّ “من النتائج الخطيرة لتكبيل المؤسسات الدستورية تحويل الاستحقاقات الدستورية أزمات وجودية، بدلاً من أن تكون فرصةً للديموقراطية من أجل تداول سَلس للسلطة. وعدم التوصّل إلى اتفاق على قانون انتخابي عادل، وعدم إجراء الانتخابات في موعدها، ما أوصل إلى تمديد للمجلس النيابي، وعدم التمكن من تأليف حكومات في مهَل معقولة، والتخوّف من إحداث فراغ في رئاسة الجمهورية”.

وتخوّفت المذكرة من “إقحام لبنان في قضايا الجوار من دون التبصّر في ما يعود به ذلك على الوطن وتركيبته”، داعية الى “حياد لبنان الذي هو أنجَع الطرق للحفاظ على التعددية في البلدان المركبة”.

انطلاقاً من كل هذه الهواجس طرحت المذكرة أسُس الحلّ للمستقبل عبر “العودة الى الحوار الداخلي، تأكيد الميثاق، وصون الحريات وإدارة التعددية، مع الالتزام بقرارات الشرعية الدولية. والحفاظ على المكتسبات الدستورية من حريات شخصية، ومدنية الدولة، وديموقراطيتها، وضمان مشاركة المكوّنات كلها، والإنفتاح على التطوير انطلاقاً من الدستور. وحراسة هذه القيم المؤسسة للوطن عبر تطبيق المناصفة الفعلية في المشاركة المسيحية – الإسلامية في الحكم والإدارة، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات. والإلتزام الجدي ببناء الدولة العادلة والقادرة والمنتجة، وانفتاح لبنان على قوة أبنائه في الانتشار”.

انتخاب الرئيس

وشدّدت المذكرة على أن “انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ضمن المهلة المحددة دستورياً وخارج أي جدل دستوري، هو الشرط الأساس الذي من دونه لا حضور للدولة ولا انطلاق نحو المستقبل. وتكون أولوياته استكمال بناء سلطة الدولة داخلياً وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية، ودعم الجيش والقوى الأمنية، والمساعدة على تحفيز القوى السياسية اللازمة لإدارة الحكم، ولإعادة بناء الدولة ومؤسساتها المركزية، والحرص على الدستور، وفصل السلطات، واحترام حرمة القضاء. ووضع قانون إنتخابي نيابي جديد وفق الميثاقية اللبنانية، وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة وتطبيقها، واستكمال تطبيق اتفاق الطائف، والنظر في ما يجب إيضاحه أو تفسيره أو تطويره في ضوء التجربة المعاشة، بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية، لسدّ الثغرات الدستورية والإجرائية التي ظهرت في تجربة ممارسة الحكم منذ هذا الإتفاق، بغية تحقيق ما يتطلّبه الدستور من رئيس الجمهورية كرئيس للدولة، تأميناً لاستقرار النظام، وانتظام عمله الطبيعي، وتلافياً لتعطيل آلة الحكم أو انتقال السلطة، وتأليف حكومات كفيّة، تعتمد خططاً ولا ترتجل السياسات والحلول، وتلتزم ببياناتها الوزارية، وتنهض بالإقتصاد الوطني وتُحقّق المساواة والعدالة الإجتماعية، وتقفل نهائياً ملف التهجير”.

وطالبت المذكرة بالاهتمام بالشباب والمغتربين واستعادة جنسيّتهم وتعزيز دور المرأة، وتعزيز إسهام لبنان في عملية خروج العالم العربي من مخاضه الراهن”.

إذاً، قالت بكركي “مذكّرتها” ومشَت… وعليه فإن الراعي سيزور الفاتيكان الأسبوع المقبل ليعرض المذكرة على الدوائر الفاتيكانية. وتبقى العبرة في التطبيق، وفي الآليات التي وضعتها من أجل تفعيل هذه المذكرة عملياً، وليس فقط في الإعلام.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل