#adsense

ميثاقٍيُّو القمصان السود!

حجم الخط

 

والله “أهل الميثاق” و”العهود” و”الوعود” صَدقوا أخيراً، انسجاماً مع طبائعهم وتجاربهم ومواقفهم وتكاوينهم ومواقعهم المنسجمة على آخر طراز الانسجام وأطواره ومشتقاته. صدقوا. والصديق من صدقك. وهم أصدقاء الحقائق الكبرى، والقضايا الكبرى في مجالات الممانعة (في الجولان) والمقاومة في 7 أيار وفي سوريا “الحبيبة” مع خلانهم من ولاية الفقهاء إلى نظام البراميل المتفجرة.

اقتنعنا أخيراً إنهم رجال ولا كل الرجال. و”الرجال قليل”! رجال لأنهم علمونا كيف يكون “الالتزام” بكلمة “الشرف” والموقف والوعد… يا كمون. لقد ملأوا الصحف والتلفزيونات والراديوات والفضاء والسموات والقبب بموافقتهم على بعض الأمور التي تسهل تأليف الحكومة بعد نحو عشرة أشهر من تكليف الرئيس سلام. امتدحوا “المداورة” في الحقائب الوزارية. وامعنوا في تأييد صيغة الـ (8 ـ 8 ـ8) بعدما تخلوا عن صيغ اقترحوها… ومن أجل هذه القضية “الميثاقية” المقدسة حاولوا اقناع حليفهم الميثاقي جنرال الميثاق والكهرباء والنفط أن عليه أن “يتنازل” عن تمسكه بوزارته الموروثة التي ورثها عن جده وأورثها بدوره صهرَه “الأثير” و”عرازيل” وطمأنة وتأكيد على احترام “المناوبة” و”تبادل السلطات. وألقوا الأزجال والمواويل انشاداً واحتفالاً بإصرارهم على تأليف الحكومة لكي تنقذ لبنان من الأوضاع التي أوصلوه إليها بممارسات قل نظيرها حتى في “التجارب الديموقراطية” العالية!

ومن فرط تغنيّهم بضرورة الانقاذ، وتعلقهم “العضوي”، “الوجودي” و”الكياني” بالميثاقية “فرّخوا” ميثاقيات توائم وأكثر، ساحبين بعضها من تواريخهم “الميثاقي” العريق.

فحزب ولاية الفقيه معروف عنه التزام تواقيعه. وتأصيل مواقعه. بنداً بنداً. فها هو سابقاً ومن فرط اغتباطه ولهفته بالحوار أفشل طاولة الحوار ليعود بعدها إلى المطالبة بالحوار. وهو من فرط اعجابه بقِيَمِه “النبيلة”، وافق على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ثم نقضها، واعتبرها اسرائيلية أميركية… وهو من شدة التصاقه برؤياه “المستقبلية” وافق على اعلان بعبدا بعدما شَمْشَمَه و”عَبَطَه” وضمه إلى صدره الحنون ليتنكر له ويعتبره “حبراً على ورق” (أي موافقته عليه كانت ماء بلا حبر، أو حبراً بلا ورق!). ومن شدة حرصه على لبنانه “الحبيب” بشَّر اللبنانيين قبيل حربه التموزية التي عادت بالخراب على هذا البلد، بأن على “رعاياه” اللبنانيين ان يطمئنوا ذلك الصيف، استعداداً لموسم سياحي “خصب”… ثم وبعد اسابيع استجر اسرائيل إلى حرب في لبنان لتكون ذريعة لتدمير لبنان… لكي ينتصر الحزب! (مبروك)! وبعدما، أيد اعلان بعبدا بدا اشد المعجبين بشعار”النأي بالنفس” عما يجري في سوريا… إلى درجة انه حذّر كلَّ من ستسول له نفسه التدخل في الحرب القائمة بين النظام وشعبه ثم وبصفاء صوفي سحري، حميم، ضنين، رنيم مع ولاية الفقيه، حمل أسلحته وشبابه، ومقاتليه لينقذوا “مقام السيدة زينب”. وما زال هناك. ليس عند “المقام” بل عند مقامات الشعب السوري المناضل… وبفضل هذه التلبية “الجهادية” المتفجرة بدموع الايمان، والتقوى، ها هو تدخله يرتد على لبنان، تفجيراً، واغتيالاً، وها هو بمربعاته الفولكلورية، الكانتونية، عرضة لعمليات تفجيرية، وسيارات مفخخة رداً على تواطؤاته ومشاركاته مع نظام الكيمياوي والبراميل المتفجرة، والسكود والتهجير والقصف الطيراني!

وها نحن اليوم، نتحمل أوزار إرادة “ولاية فقيهه” في ايران، “المعظمة”، ليتحول لبنان كله عرضة لردود الفعل هذه: من الضاحية (التي يسلك الكثير من سكانها طريق العودة إلى الجنوب، أو مغادرتها، أو الهروب من طغيان الحزب!) إلى الهرمل، وربما غداً الجنوب… وبدا ان عسكرة الحزب “كانتونه” المتصدع اليوم، وكانتوناته الأخرى بلا سقف ولا سياج ولا حماية. ولم ينفع خروج الحزب إلى “الأمن الذاتي” في ضوء النهار ولا ترتيباته الأمنية في منع الارهابيين الذين يردون على ارهابه وارهاب النظام في سوريا داخل عقر دارهم. هنا في هذه اللحظة “الحرجة” التي تساقطت فيها كل الأوراق التي تغطي “عورات” الحزب مدّ أيديه وأذرعه الكثيرة لبادرة الرئيس الحريري بتأليف حكومة “ميثاقية”! ما أروعك يا حزب الله! والله انت تحفة من تحف الخالق “الجبار” العظيم… قلنا عال! فقد اتخذ الحريري موقفاً تاريخياً (وهذه الصفة اطلقها عليه الحزب و8 آذار ولا ننسى الجنرال أيضاً!) هللويا! واحتفلوا بأصواتهم وحناجرهم وأناملهم بهذه اللحظة التاريخية المؤثرة التي كادت تستدر “دموعهم” الغالية. فالحريري تشرّب الكأس المرة بقبوله المشاركة مع المتهمين بقتل والده. هي فعلاً لحظة عالية خصوصاً انها اعلنت أثناء انعقاد جلسات المحكمة الدولية في لاهاي. فيا لغرابة القدر: متهمو حزب “العفة والجهاد” باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يحاكمون، والرئيس سعد الحريري يمد يده إلى من يُتهَّمون بتضرج أيديهم بدم والده. كثير من مؤيدي الحريري وحتى 14 آذار… قالوا “هذا صعب” هذا تنازل… هذا وهذا.. لكن حتى هؤلاء قالوا في النهاية. طيب عال! اذا كانت مصلحة البلد تقتضي هذا التجرع المر، فليكن! وعال! فالحزب الإيراني في لبنان، رد التحية ربما بمثلها. وها هو يتخلى عن بعض شروطه ومنها “المداورة” واقتسام الحقائب مع 14 آذار. رائع! انها “أليس في بلاد العجائب”. رحب رئيس الجمهورية وكذلك الرئيس المكلف من دون أن ننسى وليد جنبلاط… وسواه. وبقي الميثاقي الآخر، صاحب الانجازات الميثاقية التي لا تحصى ولا تعد. أي الجنرال عون، وتطوّعت 8 آذار بخليليها لاقناع الجنرال بالمداورة. ويعني هنا قبوله مبدأ المداورة في وزارتي الطاقة والاتصالات مقابل وزارة الخارجية… أو التربية.. أو اشياء ومحسنّات واغراءات من هذا القبيل والمقيل والثقيل! “لا! لا!” صرخها الجنرال. لا! وألف لا! المداورة تضرب الميثاق. وأنا معه! رواحاً ومجيئاً. وكاد لولا بعض تحفظه ان يُسلسل لنا تاريخه النضالي ويذكرنا بأنه كان رائد “الميثاق” (وتالياً أو قبلاً أو فوقاً أو تحتاً الدستور!) عندما ألف أول حكومة عسكرية من الضباط المسيحيين! لا مسلم. ولا درزي. ولا أرمني. ولا كردي. ولا سرياني. ولا كلداني. ولا من يكلدنون! حكومة نقية، بيضاء، صافية… لا غبش عليها. ولا ذرة غبار. مجلوة بصنف طائفي واحد كالعروس. كانت تلك “عذراء” الحكومات الميثاقية! وكاد الجنرال أن يذكرنا، بمدى ميثاقيته عندما اعلن “حرب الالغاء” على القوات اللبنانية بعدما اعلن حرب الالغاء على ثلاثة أرباع الشعب اللبناني. ميثاقي وحبة مسك. ميثاقي وكمشة كشك! رائع! وكاد الجنرال ان يذكرنا ايضاً بحكومة القمصان السود. آه! هنا التحفة الميثاقية. هنا الميثاقية روحاً وجسداً وقلباً ويَداً وقَدماً وأنفاً واذناً! هنا المثال الحي. ولأن الجنرال “عنده” كبرى الكتل البرلمانية (وقد جُمِّعتْ هذه الكتلة بأذرع الوصايتين) فقد كان نجم حكومة القمصان السود. وكان نجم الوزراء صهره باسيل (الطاقة) وقريبه ليون (الثقافة) ونصيره الوزير صحناوي في الاتصالات… ولك تمتَّعْ بالمجد يا إبن المجد. تَمتَّعْ بهذه الميثاقية مع حليفك الايراني الميثاقي حتى آخر قطرة من دم الشباب اللبناني في سوريا كرمى للفقيه! فهذه الوزارة، وعن انخراط “المسيحيين” الاستراتيجي في الميثاق الوطني. لا وزارة التربية، ولا الاشغال ولا المال ولا الداخلية ولا الدفاع. ولا الخارجية. هذه الوزارة بالذات أي “الطاقة” من حقوق المسيحيين وضمانة لوجودهم ولعزتهم شرط ألا يأخذها أي مسيحي آخر غير صهره. لا الكتائب ولا القوات ولا المردة ولا المستقلون يفون بالغرض. فتسلم صهره هذه الوزارة هو التجسيد التاريخي للدستور اللبناني والميثاقي والبرلمان والقضاء والسيادة وكل شيء. انها الوزارة “الساحرة”، “المملكة” التي لا يتسلمها من المسيحيين (وغيرهم) سوى الممنوحين “مجد لبنان” صار عندنا اذاً عدة ميثاقيات! فلا الحكومة الجامعة ميثاقية اذا لم يتسلمها صهر أبي المواثيق ولا الحكومة المستقلة ميثاقية اذا لم يستقل صهره مركب “الطاقة” ولا حتى حكومة وباسم الميثاق والدستور والاعراف يحق للرئيس سليمان وسلام تأليف حكومة “حيادية” او حكومة لا يؤلفها الجنرال والحزب وسوريا وايران… عند هذه النقطة بالذات، أصر ميشال عون ونعى ورثى وأبّن، ولكن بنبرة ميلودرامية استدرت الدموع والآهات في القلوب والاكباد، “الشراكة الوطنية” أف! هكذا وعلى التلفزيون وببحة صوتية مؤثرة ايضاً. انتظرت الناس موقف الحزب. هل سيفي بوعوده. هل سيلتزم. ما أعلنه الرئيس بري عن ضرورة المداورة. هل يتخلى عن حليفه المفدى ميشال عون. هل يتركه “وحيداً لا يندم” (بالاذن من الصديق الياس الديري)، وانتظرت الناس في الضفة الأخرى موقف الرئيس سليمان وسلام: هل سيمارسان حقهما الدستوري بتأليف حكومة بمن حضر… سواء حيادية أو 8 8 8؟ هل سيُقدم الرئيسان! ؟ هل سيحطمان تابوهات السلاح والتهديد؟ هل سيضعان الجميع أمام مسؤولياتهم بعدما عاد حزب العفة والصدق وتنكر لكل ما التزمه وفَضَّل حليفه الودود عون باسم الميثاقية! فهذا الحزب “الرائع” قبل مبدأ المداورة وصيغة 8 8 8 التزاماً بالميثاقية. وها هو يتراجع عن مواقفه اليوم باسم الميثاقية. وها هو يعد العدة مع جماعة 8 آذار لتنظيم حملة ضد الرئيس بتهمة انه بممارسة الحق الدستوري باعلان التشكيلة الوزارية… يطعن الميثاقية. بالطبع لن يوفروا السعودية واميركا واوروبا من اتهامهم. (اسرائيل اليوم خارج دوامهم!) وحتى كتابة هذه السطور قرأنا ان الحزب هذه المرة شدّ الميثاقية (المداورة) الى آخر نقطة، متجاوزاً مطلب عون من باب دعمه، وها هو “يرفض” اعطاء الداخلية والدفاع (اي الوزارتين الأمنيتين) الى 14 آذار. فهاتان الوزارتان هما من “ارثه”. اورثهما اياه ربما الحوثيون بطرد بريدي من اليمن او أبو الفضل العباس برسالة على جناح حمامة من العراق. أو بنور قذفه الله في صدره من شمس ايران. فلماذا لا يحذو حذوه في منطق التوريث الدائم. فاذا كان يعتبر عون ان الطاقة من حصة التيار فلماذا لا يتمسك بذراعيه الحنونين بهاتين الوزارتين الداخلية والدفاع باعتبارهما من حصة الحزب، و8 آذار؟ استيلاد عقبة جديدة! رائع! فهو لم يتراجع فحسب كما “وقعه” و”تبناه” بل تقدم اشواطاً في كتابة الوزارتين باسمه عند كاتب العدل الايراني! واذا كانت الضاحية وبعض الجنوب مسجلة باسمه مع مشاعها وشجرها وناسها وأراضيها فلماذا لا يوسع عمودياً ممتلكاته وحقوقه الموروثة والمكتسبات فاذا كان قد ورث الجنوب عن أجداد أجداده. فلماذا لا تكون الوزارتان الامنتيان ايضاً موروثتين عن أجداد أجداده. انه الجهاد المبين لاسترجاع “الحق السليب”!

حتى كتابة هذه السطور كان الوضع التأليفي على هذه الشاكلة: انقلاب الحزب على مواقفه (كما سبق واشرنا) وانضمامه الحميم إلى “مصلحة” العائلة العونية وهذه المرة تحت شعار “مذكرة التفاهم” بينه وبين الجنرال، والتي بحسب “الطفل المعجزة” حسن فضل الله حققت انجازات تاريخية على صعيد الوحدة الوطنية ولم لا الميثاقية! بدءاً بـ 7 أيار، ثم حكومة القمصان السود، ثم قتال (أو قتل) الشعب السوري، من دون ان ننسى انجازات الكبتاغون والأدوية المزورة واللحوم الفاسدة وحماية المتهمين بقتل الشهيد رفيق الحريري ومحاولة اغتيال بطرس حرب لتتوج بطائرة بدون طيار من صناعة إيرانية، تحوم حول منزل رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع. فما أجمل طائرة ايرانية تتجسس في وضح النهار على اللبنانيين.

المشهد حتى كتابة هذه السطور: طائرة ايرانية تحلق فوق معراب (اين الجيش اللبناني وراداراته) وحزب ينقلب على مواقفه. وجنرال “صامد” في حقه النفطي الميراثي، وازاء هذا المشهد الهزلي الذي يتصدره مهرجو الحزب، الناس تنتظر كيف سيواجه الرئيسان سليمان وسلام هذه المسرحية “اللامعقولة”! هل سيخضعان للابتزاز؟ هل سيتراجعان؟ هل سيعيدان النظر في التأليف؟ ام سيقتحمان “دُشم” تابوهات الحزب ومَن وراءه: ايران وسوريا ويقولان نعم! للدستور! نعم! لحكومة “جامعة”. نعم! لحكومة تنقذ لبنان من وضعه الكارثي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل