#adsense

هنيئاً لنا عهد الانتحاريين

حجم الخط

 

في مسرحيتي ذات الفصل الواحد، “المسافر”، هناك رجل مسافر في قطار، خائف من ناس لا يعرفهم، معتقداً أنهم يريدون قتله. في إحدى المحطات يصعد الى القطار رجل دين يرافقه رجل بلباس أمني، فيخاف المسافر ويغطي وجهه بكتاب يقرأه، عن عيون الرجلين المخيفة، وخصوصاً رجل الدين الذي يبدو أنه الآمر لتابعه رجل الأمن. في حوار يجري بين الرجلين، يزداد خوف المسافر ولا سيما عندما يستل رجل الأمن كتاباً من حقيبة إلى جانبه ويروح يتصفّحه، فإذا هو كتاب “العهد القديم”، حيث الله يحب تكثير الأرامل، ويبدو بلا شفقة. يعتقد المسافر انه هو المقصود، ويلاحظ رجل الدين أن المسافر خائف، فينهر رجل الأمن، داعياً إياه إلى التوقف عن القراءة قائلاً له: في المحطة اشتريت لك كتاب “غادة الكاميليا”، لماذا لا تقرأ فيه؟ يجيبه رجل الأمن ان الكتاب حزين، وأن الطبيب منعه من الزعل. يخاطب رجل الدين المسافر: ماذا تقرأ؟ المسافر: مسرحية. رجل الدين: عظيم. هكذا تصبح القصة قريبة للتصديق. عن شو بيحكي الكتاب؟ المسافر: عن رجل قتل أباه وتزوج أمه ثم سمل عينيه. رجل الأمن معترضاً: وما لقطو البوليس؟ المسافر: القصة صارت قبل اختراع البوليس. ثم يتوقف القطار في احدى المحطات فينظر رجل الدين الى رجل الأمن قائلا: هلّق؟! فيجيبه: هلّق. يتقدمان برهبة نحو المسافر. رجل الدين: هلّق منتمنالك سفر موفّق. رجل الأمن: سفر موفّق. ويخرجان. يبقى المسافر وحده في حالة هستيرية كمن فقد أعصابه، فيصير يضحك كالمجنون ثم يقع ميتاً.

نحن في لبنان نركب قطاراً ولا نعرف إلى أين نذهب، فقط نعرف اننا خائفون من ناس لا نعرفهم، يلحقون بنا لقتلنا. نخاف ان ننظر الى رجل يمرّ قربنا، وهو يخافنا أيضاً. طبعاً، اشتلقنا عندما صرنا في سن الرشد ان عدّاد الموت الطبيعي كان بدأ يعمل لحظة ولدنا، وقبلنا به راضخين لأنه سنّة الحياة وإرادة الخالق. نعيش في هذه المنطقة، والانتحاريون وحدهم يقررون لحظة مغادرتنا القطار، وفي المحطة التي يختارونها لنا. ولأن في هذه الأسطر ملامة غير مقصودة الى الله تعالى، حبذا لو يخبرني أحد هل سبق للانتحاريين أن اختاروا الحوريات اللواتي ينتظرن مجيئهم بفارغ الصبر؟ وهل تفرج الواحد منهم على ألبوم صورهن وخصوصاً اللواتي وعدوه بأنهن له بالتأكيد وهن ينتظرنه على باب الجنة؟ وهل يقولون له إن المهم ان لا يضيّع الباب وإنه كلما أسرع كان أفضل له وللحوريات ولنا؟

الانتحاريون يرعبون اليوم كل البلدان العربية والأجنبية أيضاً. وأنا أكيد ان المدموزيل الانتحارية التي فجّرت احدى محطات القطار في روسيا هي ايضاً موعودة بحوريّ من وزن المرحوم جيمس دين أو كلارك غيبل أو فالنتينو. فهنيئاً لنا عهد الانتحاريين. وفي الانتحاريين تدوم النعم والنشوات الجنسية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل