عندما قال معاوية إنه “لو أنّ بيني وبين الناس شعرة لما قطعتها، إن أرخوها شددتها وإن شدّوها أرخيتها”، كان قوله ينطبق على حال جميع السوريين المجتمعين في “جنيف ـ 2″، لكنّ ذلك لا ينطبق على طرفَي المحادثات النووية بين إيران ودول (5+1) بزعامة الولايات المتحدة الأميركية التي لم تستَجب بعد إلى عرض وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حول الفرصة السانحة لإقامة علاقات ديبلوماسية بينهما بعد قطيعة استمرّت قرابة 35 عاماً إثر خطف رجال ثورة الخميني أعضاء البعثة الديبلوماسية التابعين للولايات المتحدة.
تدّعي إيران بأنها لا تفاوض بسبب تأثرها بنتائج العقوبات المفروضة عليها، لكنها لا تعطي مبرّراً آخر لرغبتها في المفاوضات أو قبولها السير بها، في حين لفتت الولايات المتحدة الأميركية، طهران، إلى وجوب التفاوض بحسن نية مع استمرار فرض العقوبات عليها وعدم الإفراج عن الأموال المجمدة، في مقابل تمسّك المتضررين من هذه المفاوضات بوجهة النظر القائلة بوجوب الأخذ في الإعتبار مصالح إسرائيل التي ترغب في منع إيران من الحصول على سلاح نووي بأيّ ثمن واعتراض دول الجوار الايراني لجهة وجوب الوقوف على رأيها بالنسبة الى التفاوض.
فالإتفاق بالأحرف انطلقت مدته التجريبية في 20 كانون الثاني 2014 وتنتهي في 20 تموز المقبل، وستعقد في هذا الإطار جولة جديدة من المحادثات في 18 الجاري للتوصل إلى اتفاق شامل يضمن الطبيعة السلمية البحتة للبرنامج النووي الإيراني، إذ إنّ تجارب أخرى، منها العراق وكوريا الشمالية أثبتتا أنه لا يمكن تضليل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي في هذا الصدد.
إلى هذا، تأتي المفاوضات السورية في “جنيف – 2” لتؤكد حاجة الطرفين إلى الحوار، وإن اختلف البعد السياسي لكلا الطرفين اللذين، على أساس الحاجة، إستمرّا في حضور المؤتمر حتى التقيا وجهاً لوجه. ولأنّ روسيا تدعم النظام، فقد استقبلت رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا قبل معاودة هذه المفاوضات في 10 الجاري، في دليل الى المسار الذي سيأخذه هذا المؤتمر أقلّه لجهة تأمين ممرات إنسانية أو الإفراج عن بعض المعتقلين وهم عشرات الألوف، كمرحلة أولية، في التوازي مع استمرار نزع السلاح الكيماوي كاملاً لأنّ احتمال بقاء جزء منه تحت سيطرة النظام سيدفع مجلس الأمن الى البحث في فرض عقوبات إضافية، إذا خالف النظام ما تعهد به في الإتفاق الروسي – الأميركي.
كل ذلك والتدمير المبرمج لحلب وحمص مستمرّ بغية أن تقتحمها قوات النظام الذي يقاتل على جبهة واحدة بأدوات متعددة (إيران والعراق وحزب الله) فيما يقاتل الثوار جميع هؤلاء إضافة الى مواجهتهم المجموعات التكفيرية من “داعش” و”جبهة النصرة” و”القاعدة” الذين لا يقاتلون النظام إلّا نادراً!
أمام واقع السوريين المرير، وواقع المنطقة العالق بين فالقَي إسرائيل وطهران، تغدو الديبلوماسية حاجة للجميع حيث يستحيل خوض الحروب في ظلّ عدم ترك الهامش مفتوحاً أمام الديبلوماسية على حدّ قول نابليون بونابرت.