#adsense

الكرامة قبل الصحّة

حجم الخط

إنّ ظروفنا الرّاهنة والحافلة بالقلق لم تعد تأخذ بالأعتبار ذوي الوهم والشبهة والتلوّن من العاملين بالشأن السياسي, بقدر ما يستحوذ على انتباهها أولئك الذين يستنبطون أجوبة عن حيرتنا من وجدانهم الوطني أو حدسهم الذي هو الفكر وما فوق الفكر, ويشكّلون بتجاوزهم صوت الجماعة أي الرابطة المتضمنّة في أوّليّاتها عنصري المسؤولية والوجوب. من هنا, ينقسم سياسيّو السّاعة الأخيرة الى “مصلحيّ” صاحب شطحات فانتيزية, و”وطنيّ” يتماهى مع أرق الناس ويجعله رسالته, ما يشكّل نقطة انطلاق لمفهوم المبدأ والألتزام به.

والألتزام بالمبادئ اليوم، يختلف عمّا كان عليه في زمن الأستقطاب الأيديولوجي في القرن الماضي بين الغرب الرأسمالي والشرق الأشتراكي, إذ كانت وظيفته أكاديمية ليس إلاّ. فقد أخذ في زمننا منحى النّضال بالموقف, وعبر من وظيفة   “أنا أفكّر” الى وظيفة “أنا أمارس”, أي من مالك لرأسمال رمزي، غالباً ما لا يتخطّى التّنظير، وأكثره إيهاميّ، الى ناشط فاعل في سيرورة الوطن نحو الأفضل والأرقى، فكأنّ التاريخ وموقعه في الجماعة انتدباه لتأدية هذا الدور الطليعي في نصرة الحق وسيادة الكرامة.

الألتزام الوطني الصادق في شعاراته يدفع بالملتزم صوب معركة متواصلة مع دور ثابت لا يتغيّر في مسيرته، فيتكوّن عندها زواج متوازن بين ذاته الحرّة وبين تماهيها مع حركيّة الجماعة, وهذا ضامن لاستمرارية القيمة لدى الملتزم. فما من إغراءات تفتنه أو تعوق ديمومة ثباته في موقفه, ولا التهويل والتهديد يجعلانه يحيد عمّا اعتنقه وناضل في سبيله, حتى ولو كانت رحلة الألتزام تنتهي في التراب أو تمرّ في شبه قبر. إنّ الصدق في الألتزام لهو اختيار حرّ يجعل مَن يعتنقه ضمير أهله, وهذا ينطبق حتماً على الرجال من “رجال” السياسة، فقط .

أما الدجّالون من ممتَهني العمل السياسي, أولئك المتلوّنون الذين يعايشون اهتزاز القيم في ذواتهم، فهم يدّعون الالتزام زوراً ويتقمّصون دور الثبات في المواقف, وببراعة تمثيليّة في أكثر الأحيان, ليوهموا من يتبعهم بأنّهم لا يحيدون عمّا أطلقوا من شعارات طوال مسيرتهم “النضاليّة”. والواقع أنّ في جعبتهم دائماً جملة من الّتخرصات التي تتناسب مع أيّ تبدّل في المناخ السياسي. من هنا فمواقفهم, على تناقضها, تشترك كلّها بقاسم واحد هو الإبتزاز والمنفعة والمردود النّفوذي، ولو كان السبيل الى ذلك رخيصاً وفيه إهدار للكرامة.  فليس مهمّاً عند هذه الطّبقة من الدجّالين، الإنقلاب على وحدة الوتيرة في الموقف التأسيسي, بل الرصيد النّفعي والتصفيقي الذي يمكن حصده بواسطة هذا التضليل-الأستدارة. أمّا المخزي فيكمن في البحث اللاهث عن تبريرات لا ترقى الى مرتبة الإقناع في أروقة الأدمغة, ولا عجب, فالمصفّقون الآليّون يقبلونها على غير هداية, إذ يعانون، وللأسف، من خلل مركزي أسمه “العقل”.

لقد شهدنا في الآونة المنصرمة سلسلة مواقف صدرت عن دونكيشوتيّين، هلّلت

 لها الحناجر النمطيّة. وهي مواقف يمكن وصفها بأنّها إصابةٌ لهؤلاء المستفيقين على ذعر بحالة الأنفصام الموقفي, ما يستوجب ورشة استصلاح عقلي، تشير الدلائل الحسيّة الى نتيجته العبثيّة الأكيدة. أمّا المفاجأة فليست في المنقلبين, وقد أصبحت هذه الحال فولكلورا مأنوساً عندهم, ووضعا بائساً عندنا, بل في تحوّل المنقلب الى دمية مصابة باللاثبات، تستجدي التسويات على حساب كرامتها, حتى مع الذين استخفّوا بها.

لهذا نردّد لغير الرجال  ما قاله الكبير سعيد عقل : “الكرامة قبل الصحّة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل