#adsense

“تفاهم” يقتل تفاهمات

حجم الخط

 ليس من باب المبالغة أو الرأي الفردي، أن يوصف “التفاهم” بين حسن نصرالله وميشال عون، قبل 8 سنوات، ب”المشؤوم”، بعد تراكم سلبيّاته ومخاطره على لبنان في نسيجه الأهلي وانتظام مؤسّساته وسيادة شعبه ودولته.

ففي استعادة “إنجازات” هذه “الورقة” التي لم تنل سوى ترحيب طرفيها برغم التدليل عليها في السوق، مع تسجيل شكوكهما والطعن المتبادل في خاصرتيهما الآن، يتبيّن تأثيرها السلبي العميق على مسار بناء الدولة اللبنانيّة بعد تحرّرها من عبء وصاية النظام السوري واحتلاله.

ويُمكن إيجاز هذه السلبيّات المدمِّرة ب 4:

–  حين إطلاقها في 6 شباط 2006 كان لبنان يتّجه إلى تثبيت استقلاله الثاني على أساس وثيقة بكركي، أو “ندائها” السيادي التاريخي التأسيسي الشهير في أيلول 2000، والذي ترجمه اللبنانيّون بجميع طوائفهم في 14 آذار 2005. فجاء ذاك “التفاهم” ليحفر شرخاً خطيراً بين الاستقلاليّين، ويتصدّى للحيويّة المتقدّمة لإعادة بناء الدولة. وتحت غطاء تلك الورقة جرى الاعتصام المديد الذي شلّ قلب العاصمة ومفاصل الحكم والسياسة، كما حصلت حرب 2006 وانقلابا “الدواليب المحروقة” في كانون الثاني 2007 وغزوة بيروت والجبل في أيّار 2008.

وحين اضطرّ طرفا “التفاهم” للقبول ب”اتفاق الدوحة” أخرجا من قبّعتهما بدعة “الثلث المعطِّل”، وتحيّنا الفرصة لإنكار توقيعهما، وأفلتا حركة “القمصان السود”، ونفّذا انقلابهما الثاني على ما عُرف حينها ب”اتفاق ال س- س”، ودائماً طبعاً بدفع من نظامَي الأسد وإيران. فكانت حكومة اللون الواحد التي عمّقت مأزق لبنان وباعدت بين اللبنانيّين أكثر فأكثر.

–  “التفاهم” نفسه غطّى ورطة “حزب الله” في سوريّا. واضطرّ عون للرضوخ وتوسيع غطاء “التفاهم” وتجاوز نصوصه، فوافق عمليّاً على انغماس شريكه عسكريّاً، وسعى إلى إيجاد التبريرات لورطته. ولم يتردّد الطرفان في تخلّيهما عن “إعلان بعبدا” الذي يدعو إلى تحييد لبنان، وعن شعار حكومتهما “النأي بالنفس”. وهكذا أسقطا وثيقة أُخرى وقّعا عليها.

 والخطير في الأمر أنّ عون الملزم و”المكلّف شرعيّاً” ب “وثيقة مار مخايل”، يبيع في أساسيّات الدولة والسيادة والاستقلال، ويشتري مصالح خاصّة في النفوذ والحقائب والحصص لعائلته، تحت الشعار الخادع “حقوق المسيحيّين”.

–  وفي سياق “مسيرة التفاهم” نفسه، أقدم طرفاه على نسف التفاهم السياسي الأخير بتشكيل “حكومة سياسيّة جامعة” على قاعدتَي المداورة والثلاث ثمانانات. والمعادلة بينهما هي نفسها: أُعطيك في أساس السيادة والسياسة والدولة وأُغطّيك في مشروعك، وتُغطّيني في حصصي وتُعطيني من الحقائب أدسمها وأنفعها لعيالي!

وهكذا يُطيح “التفاهم” بشروره، الفرصة الجديدة للحكومة العتيدة.

–  أمّا رابع “إنجازات” حلف شباط، فيتمثّل الآن في التصدّي لوثيقة بكركي الجديدة، تمهيداً لإجهاضها.

لقد أقرّ الجميع بأهميّة “المذكّرة الوطنيّة” الصادرة عن بكركي، خصوصاً لجهة ربطها بالمسار التاريخي الوطني للكنيسة، وتركيزها على ثابتتَي حياد لبنان وحصريّة السلاح.

وحدَهما طرفا “التفاهم” تجاهلاها. سكوتهما دليل صارخ إلى امتعاضهما و”صدمتهما”. كأنّهما كانا ينتظران أن تكون بكركي، في عهدها الجديد، طرفاً ثالثاً معهما، بعدما حاول عون التذاكي على “تيّار المستقبل” لضمّه تحت شعار “تفاهم ثلاثي”، وفشل.

فكيف لهما أن يرحّبا بوثيقة مكتوبة صادرة عن الكنيسة المارونيّة بجميع أحبارها، ولو حاولا تشويه الإجماعات حولها باستصراح مطران هنا أو رجل إكليروس هناك، لعلّهما يحكّان على حساسيّة ما، ويستدرجان مخالفة أو تبايناً ورفضاً.

لا “حزب الله” ولا عون يرتاحان للدعوة إلى تحييد لبنان عن الصراع السوري، وإلى حصر السلاح في يد الدولة. ويغيظهما أن تدعو بكركي بوضوح وحسم إلى التزام “إعلان بعبدا”.

ولو سمحا لبعض ألسنتهما بالتعبير لصدرت تهمٌ قاسية تشبه تلك التي واجها بها البطريرك صفير، وليس أقلّها تهمة انتساب بكركي إلى “14 آذار”.

تلك هي حقائق “تفاهم شباط” في ذكراه الثامنة. لقد غطّى كلّ موبقات السنوات العجاف، في تسميم السياسة، وتبريرالاغتيالات، ومنع الدولة من النهوض.

وأشدّ أخطاره الآن، أنّه يغطّي مأساة الضاحية وتفريغها من حيويّتها وأهلها بذريعة حمايتها، بعدما غطّى وكرّس تفريغها من مسيحيّيها. فالأولويّة هي لتغطية حرب “حزب الله” في سوريّا.

والأمل في توقّف من تبقّى من المصفّقين لجرم”التفاهم” والمخدوعين به.. عن التصفيق، فتأتي ذكراه التاسعة بجهيض مَيْت، وليس بوليد!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل