كلما استبشر اللبنانيون خيرا بولادة الحكومة العتيدة، برزت عراقيل جديدة تعيد الامور الى نقطة الانطلاق التي يبدو ان قطار التأليف سيبقى رابضا عندها الى اجل غير مسمى. وفي كل مرة اسباب واعذار وحجج، لا يتورع اصحابها عن طرحها في ظل المآسي والازمات التي يمر بها البلد، ولا يخجلون امام دماء الابرياء الذين يسقطون، وكأن الحقيبة او الاسم او حتى الميثاقية التي يدعون حمل لوائها، اهم واكبر من الوطن والانسان. ماذا حصل لتعود الامور الى البدايات؟ ولماذا عاد “تيار المستقبل” الى وضع الشروط؟ وأسئلة كثيرة حملناها الى عضو “كتلة المستقبل” النائب احمد فتفت.
– هل صحيح ان العماد عون هو العقدة الحقيقية في تشكيل الحكومة؟
– كلا. حصل اتفاق سياسي في البداية يستند الى توافق على أساس حكومة جامعة من 3 ثمانات، ومن دون ثلث معطل، وبتوازن بين الحقائب، وبالمداورة الكاملة والشاملة والمستمرة. حين كان الرئيس بري يفاوض، كان “حزب الله” حاضرا ويقول لا مشكلة، ويتواصل مع العماد عون. وعندما وصلوا الى مرحلة الاتفاق على المبدأ، قال ممثل الحزب للرئيس سلام يلزمنا يومان للتفاهم مع عون و”يمشي الحال”. وتبين اليوم انه لم يكن هناك تواصل كاف مع عون من الحزب، وهذا الامر ليس مصادفة بل هو مقصود. اضطر الحزب في البداية، نزولا عند رغبات اقليمية وتحديدا ايرانية، ان يقول انه يريد حكومة جامعة، وحتى السفير الايراني كان يتحدث في الاتجاه نفسه، وانه مستعد للتنازل عن 9،9،6 الى 3 ثمانات والمداورة الشاملة والتوازن بالحقائب، بينما ضمنيا لا يريد حكومة ولا رئاسة جمهورية، ويرى الفراغ آتيا، وفي ظل هذا الفراغ يفضل بقاء الحكومة الحالية التي يسيطر عليها، لتستمر بإدارة شؤون البلد حتى أجل معين، تتغير فيه المعادلات الاقليمية والمحلية.
– لكن العرقلة تأتي من عون وليس من “حزب الله”.
– المعرقل في الظاهر هو ميشال عون، ويفعل ذلك لحساب “حزب الله” منذ البداية، وتبين انه بعدما خفت العرقلة من جهته عند بدء الكلام عن اعطائه وزارة الخارجية ووزارات اخرى، بدأنا نسمع من جهة الحزب كلاما عن الحقائب الامنية وأهميتها، بعدما كان هناك تفاهم واضح على توزيع الحقائب السيادية واحدة لـ”8 آذار” وواحدة لـ”14 آذار” و2 للوسطيين، ولا يرضون باسماء ووجوه معينة … “حزب الله” يخترع كل يوم سببا جديدا كي يؤكد انه لا يريد حكومة.
– لماذا عاد ” المستقبل” الى طرح شروط جديدة وتعجيزية ، ومن بينها تسمية اللواء أشرف ريفي للداخلية؟
– مثلما من حقهم ان يسموا من يريدون، نحن ايضا من حقنا ان نسمي من نشاء.
– لكنكم لم تستعملوا هذا الحق قبلا؟
– لم تكن الاسماء مطروحة قبلا. عندما وصلنا الى هذه المرحلة طرح الرئيس الحريري الاسماء المناسبة. لا أعلم اذا كان قد طرح اسم ريفي ام لا، سمعت من الاعلام. وفي كل الاحوال هو مؤهل جدا لهذا الموقع، ولا افهم لماذا ريفي شرط تعجيزي، علما أنني لا أراه استفزازيا بقدر جبران باسيل الاستفزازي بالشكل والمضمون والتاريخ. اذا كانت هذه الحقيبة من حق “المستقبل” و”قوى 14 آذار” فلها الحق ان تطرح من تريد. لماذا لا يرضى عون الا ان يطرح من يريده؟
– ولكن معروف ان ريفي غير مقبول من 8 آذار، وكانوا يريدون اقالته ولم يقبلوا بالتمديد له اضافة الى ارتباطه بالمحكمة الدولية.
– لا دخل لهم. اذا كان عون، وخلفه “حزب الله” يعتبران ان من حق كل طرف ان يسمي وزراءه، فكيف يفرضون على الآخرين شروطهم بالتسمية؟ هل يقبلون ان نرفض جبران باسيل؟ نحن لا نريد نهائيا جبران باسيل وزيرا، هل يقبلون بذلك؟
– الطرفان يعرقلان تشكيل الحكومة بسبب أسماء محددة. هل يستحق البلد هذه المواقف؟
– لا نحن ولا هم نعرقل بسبب أسماء. أخذنا قرارا جريئا ومتقدما ان نقبل بالحكومة الجامعة وبالشروط، وعندما قبلنا حشرناهم. نحن ننفذ الاتفاق الذي تم، بينما هم يتراجعون عنه. يريدون ارضاء عون، فليكن على حسابهم وليس على حساب الباقين.
– جنبلاط هو من اقترح اسناد الخارجية الى عون.
– جنبلاط وبري. المداورة هي مطلب الرئيس بري، في رأيه أنه يجب ان يوجد، على الاقل في مرحلة معينة، شيعي في وزارة المال من اجل التوقيع الثالث او الرابع الرسمي. من هنا بدأت فكرة المداورة، وليس من فريقنا السياسي، وكانت سابقا مطلب عون الكبير. وعندما طرحت وافقنا كون بري وعون يريدانها. وتبين انه، اما ان الرئيس بري لم يكن مدركا الى اين كان عون يريد الوصول بهذه القصة، او أنه لم يكن هناك تواصل كاف معه في هذه المرحلة. وهذه ليست مسؤوليتنا بل مسؤولية الطرف الاخر.
– هل بشروطكم الجديدة تسعون الى اسقاط هذه الحكومة سعيا الى تشكيل حكومة حيادية، الامر الذي كنتم تريدونه منذ البداية؟
– نحن نريد الحكومة الجامعة بصيغة 3 ثمانات وبشروط الاتفاق السياسي الاساسي. ولا نريد ابدا اسقاطها، بل بالعكس الطرف الاخر هو من يسعى الى ذلك، ونريد بالتأكيد اسقاط حكومة نجيب ميقاتي. ولكن نحن من الاساس نعتبر ان الحكومة الحيادية قد تكون هي الحل للبلد في ازمة كهذه. ولكن بدأت تحصل عملية ابتزاز، عندما رأوا اننا مشينا وقدمنا بعض التنازلات، صاروا يضغطون للحصول على تنازلات اضافية. نتعرض لابتزاز كبير من “حزب الله” في هذا الموضوع، وأصبحنا مقتنعين انه مهما قدمنا من تنازلات، سيجد الحزب المعوقات لكي لا تتشكل الحكومة.
– هل خذلكم الرئيس سلام وتودون العودة الى استشارات جديدة وتسمية الرئيس الحريري او السنيورة؟
– بالتأكيد لم يخذلنا الرئيس سلام. وفي حال حصول استشارات جديدة، سيسمي “تيار المستقبل” الرئيس سلام مجددا، لانه رجل المرحلة، والمؤهل ان يكون فيها رئيس حكومة، قادر ان يجمع، أكثر من ان يكون أي طرف سياسي آخر.
– ربط “التيار الوطني” الحكومة بالاستحقاق الرئاسي لتسهيل تشكيلها. ما رأيكم؟
– نحن نعتبر الاستحقاق الرئاسي اساسيا، وعدم وجود حكومة حاليا، إما جامعة وإما حيادية، يعني انهم لا يريدون الرئاسة. “حزب الله” مرتاح جدا بحكومة الرئيس ميقاتي التي يسيطر عليها، وعندما يستمر بهذه الحكومة فهذا يعني انه لا يفكر برئيس جمهورية جديد ولا في رئاسة، وسيأخذ السلطة. بالنسبة الينا الاستحقاق الرئاسي أمر أساسي، ولكن كل شيء في حينه. اليوم نحن في حاجة الى حكومة.
– يخشى “التيار الوطني” تفاهما رباعيا على الحكومة ينسحب على الاستحقاق الرئاسي مستثنيا المسيحيين. فكيف تطمئنونه؟
– الكل يدرك تماما ان لا استحقاق رئاسيا او حكوميا من دون المسيحيين. ولكن من ناحية ثانية لا ينبغي لـ “التيار الوطني الحر” ان يعتبر نفسه الممثل الوحيد للمسيحيين، وليس صحيحا انه اذا لم يشارك بالحكومة لا تكون ميثاقية، واذا شارك تكون ميثاقية. والدليل على ذلك ان “تيار المستقبل” بقي 3 سنوات خارج الحكومة، ولم نتكلم مرة بميثاقيتها، بل ذهبنا الى المجلس وتعاملنا معها كمعارضة. الميثاقية تعني ان تكون هناك مناصفة بين المسيحيين والمسلمين في الحكومة، وان تكون كل المذاهب ممثلة وفق نسبية معينة، ويجب ألا نخترع أبعادا أخرى للميثاقية لغايات سياسية. وفي موضوع الرئاسة الامر اصعب اكثر، بمعنى ان الدور المسيحي يجب ان يكون فعالا اكثر، ويجب ان تكون هناك شراكة مسيحية حقيقية، لانه يتعلق بالممثل المسيحي الاول في الدولة اللبنانية. نحن لا نريد حكومة مبنية على وفاق رباعي، بل نريد حكومة تضم كل الشركاء.
– لكن كيف يمكن السير بحكومة لا تضم وزراء من “التيار” و”القوات” وهما الكتلتان الأوسع تمثيلا للمسيحيين؟
– مثلما مشت الحكومة السابقة من دون الكتلة الكبيرة الوحيدة الممثلة للسنة اي “تيار المستقبل”، مشت كمعارضة وأكثرية وأقلية. ثم أليس الكتائب وبطرس حرب ورئيس الجمهورية و”المردة” مسيحيين؟ حتى “القوات” لا يتكلمون اليوم بالميثاقية، لانهم يدركون انه كلام بالسياسة وليس بالميثاقية. كان على العماد عون ان يرفض تأليف الحكومة السابقة لانها لم تضم “تيار المستقبل” اذا كان يحكي بالميثاقية، ام الميثاقية عندما تكون على قياسه وليس على قياس الباقين؟
– اعتبرت كتلة “الوفاء للمقاومة” ان الفرصة الراهنة لا تسمح بأي تشاطر يوفر مادة طعن في ميثاقية الحكومة.
– هذا تشاطر “حزب الله” بالكلام. الميثاقية ليست بتمثيل الاحزاب والاطراف، بل بتمثيل الطوائف والمذاهب. عندما يتطرق الحزب الى هذا الموضوع فهو يلجأ الى الابتزاز، يبتز بواسطة عون الاتفاق السياسي الذي حصل، ليرجع عنه. كل ما شاهدناه هو تمثيلية وخدعة من “حزب الله”، لأنه يريد التنصل من الاتفاق الذي حصل، اضطر الى ان يعطيه بناء على وضع اقليمي معين بالشكل، ولكن بالمضمون يعود لاسترجاعه.
– اين وصلت الاتصالات بين تياري “المستقبل” و”الوطني الحر”؟
– حصل لقاء واحد في مجلس النواب بين نواب التيارين، وانقطع التواصل لاننا شعرنا في حينه بأن “التيار الحر” يريد امرا واحدا هو اعطاء الخارج انطباعا انه ليس طرفا في الصراع الداخلي، وليس جزءا من أي محور اقليمي بينما هو كذلك. ما عدا ذلك لا علم لي باي لقاء.
– لكن في المدة الاخيرة لاحظنا غزلا من العماد عون بالرئيس الحريري.
– هذا الغزل مرتبط بالاستحقاق الرئاسي، وعون يريد ان يصبح رئيسا للجمهورية، ويعرف ان هناك قوة سياسية اساسية وبرلمانية اسمها “تيار المستقبل”، ويحاول ان يوحي انه قادر ان يكون وسطيا. حتى الان لم نر شيئا استراتيجيا من “التيار الحر” يوحي استقلاليته، بل بالعكس ربط نفسه اكثر بـ”حزب الله” من خلال المفاوضات لتأليف الحكومة، كما ان ممارساته منذ 2006 حتى الان، وتوقيع “وثيقة التفاهم” يؤكد انه صار طرفا مع “حزب الله” وفي التحالف الايراني في المنطقة. لا يستطيع ميشال عون ان يكمل في هذه الخطة ويكون مستقلا
كليا.
– هل سينسحب التفاهم بين “المستقبل” والحزب على بقية الامور السياسية؟
– ليس بالضرورة. التفاهم نتج لان الوضع الاقتصادي والامني خطير جدا، ورأينا ان “حزب الله” تراجع للمرة الاولى خطوة الى الوراء اعتبرناها ايجابية، فخطونا مقابلها خطوة لمصلحة البلد. لكن هذا الاتجاه هدفه ادارة شؤون البلد في ظل ازمة. اما في المواضيع الرئيسية فما زلنا نعتبر ان سلاحه غير شرعي، ويجب ان يكون سحبه بندا اساسيا في اي تفاهم سياسي، وان الانسحاب من سوريا مهمة وطنية اساسية. في ما عدا ذلك يمكن ان تحصل التفاهمات الداخلية على امور كثيرة.