الحكومة التي توشك على الولادة بعد اكثر من عشرة أشهر من محاولات تأليفها تبدو اليوم وكأنها إحدى هدايا قديس الحب الذي ينتظره العشاق في 14 شباط الجاري. لا تزال هدايا هذا القديس تفاجئ بما يتعدّى الورود الحمراء منذ ان سالت دماء الرئيس رفيق الحريري في السان جورج في عيد السان فالنتاين قبل ثمانية اعوام. فمنذ اسابيع قليلة بدأت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في محاكمة قتلة الحريري غيابيا. ويا للمفارقة، فأن حكومة الرئيس تمام سلام تنطلق ايضا وغيابيا من دون الحزب التي ينتمي اليه هؤلاء القتلة. لا تقتصر عجائب هذا القديس على حكومة بعد محكمة بل تعداها الى ما ادهش العالم عام 2005، أي عام الجريمة، وهذا ما يتحدث عنه مباشرة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الذي كان يومذاك في سدة الرئاسة. ففي مذكراته التي حملت عنوان “قرارات مصيرية” يقول بوش: “(…) بعد اسبوع من مقتل الحريري، كان هناك موعد عشاء بيني وبين شيراك في بروكسل. وصرّحنا ببيان مشترك أطلقنا فيه على العملية التفجيرية اسم “العمل الارهابي”… وبعد شهر من مقتل الحريري خرج مليون لبناني – أي حوالي ربع سكان لبنان – الى ميدان الشهداء في بيروت في تظاهرات مطالبين بانهاء الاحتلال السوري… ومع نهاية نيسان كان الاحتلال السوري قد انتهى بالكامل… وفي الربيع من العام نفسه، فاز تحالف 14 آذار المناوئ لسوريا بأغلبية في مقاعد البرلمان اللبناني. وتم اعلان فؤاد السنيورة مستشار رئيس الوزراء المقتول الحريري رئيسا للوزراء. وبذلك حققت ثورة الارز أحد أكبر النجاحات لأجندة الحرية”. لكن جوهر ما ذكره بوش عن لبنان في تلك المرحلة ان قرار مجلس الامن الدولي الرقم 1559 لم يفعل مثلما فعلت ثورة الارز التي يمكن وصفها بـ”معجزة الحرية”.
من قبيل الصدفة ربما، صدرت قبل ايام وثيقة بكركي الذي سجلت غيابا كاملا لردود الفعل من قوى 8 آذار بقيادة “حزب الله”. في هذه الوثيقة التي تقع “على مسافة ست سنوات من الاحتفال بالمئوية الاولى على اعلان لبنان دولة في سنة 1920، باسم لبنان الكبير” نقرأ ما قاله البطريرك الياس الحويك امام مؤتمر السلام في فرساي سنة 1919 عن تجربة لبنان الذي كان على وشك الولادة: “(انها) الاولى في الشرق التي تحل الوطنية السياسية محل الوطنية الدينية”. ولا غلو في القول ان تلك الروح في فجر التكوين العربي الحديث تهب اليوم نسائمها في بذور الربيع الذي بانت امس اول براعمه في الدستور التونسي الجديد.
كم هو شباط مثقل بكل آلام الولادة لواقع لبناني يتعملق بعد تصاغر طالت عهوده. ففي هذا الشهر بعد عام بعد ثورة الارز، ظهرت اعراض الارتداد الذي اطلقه النظام السوري المدحور في زواحف ظلامية تسللت الى الاشرفية تحت ستار الانتصار لسمعة رسول الاسلام، ثم جهّزت في اليوم التالي “مذكرة تفاهم” على خنق ثورة لبنان. لكن السحر اوشك ان ينقلب على الساحر. اليوم سيقدم الياس الحويك الى رفيق الحريري وردة في السان جورج.