#adsense

المطران بو جوده للسياسيين: الى أي مراكز ستصلون اذا لم يعد هناك بلد؟

حجم الخط

ترأس راعي ابرشية طرابلس المارونية المطران جورج بو جوده، قداسا احتفاليا في كنيسة مار مارون في طرابلس، لمناسبة عيد شفيع الطائفة المارونية القديس مارون، بمشاركة راعي ابرشية طرابلس والكورة وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك المطران ادوار جورجيوس ضاهر، عاونه في القداس خادم رعية مار مارون المونسنيور نبيه معوض، خادم رعية مار مخائيل الزاهرية طرابلس المونسنيور بولس القطريب، والكهنة ايلي نصر، حنا حنا، جوزيف فرح وسيمون ديب.

بعد الانجيل المقدس، القى بو جوده عظة قال فيها: “عندما قدم يسوع إلى الهيكل أربعين يوما بعد ولادته، وعندما حمله سمعان الشيخ ومجد الرب، قال عن هذا الطفل أنه سيكون علامة للتناقض والخصام، وهكذا كان في الواقع عندما بدأ يسوع حياته العلنية وبدأ بالتعليم، فقد صدم الناس مرات كثيرة وأثار عندهم ردات فعل سلبية. فقد طوب الفقراء والمساكين والحزانى والمضطهدين ووعد بالملكوت السماوي الخطأة والعشارين والمهمشين والمنبوذين في المجتمع وقال إنه لم يأت من أجل الأصحاء والمعافين بل من أجل المرضى”.

اضاف: “وها هو اليوم يؤكد على هذا التعليم وهذا التناقض، ويقول إن حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبقى مفردة. كما أنه قبل موته على الصليب كالمجرمين قال أن من يموت ينتقل من الموت إلى الحياة، وأكد أنه هو القيامة والحياة وأن كل من يؤمن به، وإن مات فسوف يحيا، وينتقل من حياة الشقاء والألم إلى الملكوت حيث لا عذاب ولا ألم ولا موت. على هذه الأسس بنى المسيح تعليمه وعليها سار الكثيرون من أتباعه والمؤمنون به عبر الأجيال وقد فضلوا الموت على الحياة كي يربحوه. وقد تعرضوا للمضايقات والإضطهادات، وما زالوا يتعرضون حتى اليوم حبا به. قبل صعوده إلى السماء طلب منهم أن يكونوا له شهودا في اليهودية والسامرة وحتى أقاصي الأرض. ولأنهم قاموا بهذه المهمة تحولوا من شهود إلى شهداء فسفكت دماؤهم وقطعت أوصالهم ولم ينكروه”.

وتابع: “تاريخ الكنيسة منذ نشأتها كان تاريخ شهادة وإستشهاد، سفك فيه دم الملايين من أتباع المسيح، وبدلا من أن يكون هذا الدم سببا لموت الكنيسة فإنه كان، كما قال ترتليانوس، زرعا لمسيحيين جدد. في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الكنيسة، ومنذ أيام نيرون في خمسينيات القرن الأول، وحتى أيام ديوقلسيانوس في بداية القرن الرابع تعرض المسيحيون لإضطهادات عنيفة وإستشهد منهم الكثيرون. وعندما وصل قسطنطين إلى الحكم، وآمن بالمسيح، سمح للمسيحيين بممارسة إيمانهم بحرية وببناء الكنائس والأديار ودور العبادة. لكن أمورا خطيرة قد حصلت داخل الكنيسة إذ إنتشرت فيها الخلافات والصراعات اللاهوتية حول ألوهية الإبن وحول كونه من طبيعة الآب وهو مساو له وللروح القدس في الجوهر. كما أن الحرية التي تمتع فيها المسيحيون أعادت الكثيرين منهم إلى اللامبالاة والفتور في ممارسة الإيمان، فصح فيهم يومذاك ما قد يصح فيهم اليوم بسبب الخلافات المستشرية فيما بينهم ما قاله المسيح إن كل مملكة تنقسم على نفسها تخرب وكل مدينة أو بيت ينقسم على نفسه لا يثبت (متى12/25).

واردف: “لكن، وكردة فعل على اللامبالاة والفتور في الإيمان، نشأ تيار بين المؤمنين أعاد عند الكثيرين منهم الحماس الديني والإلتزام. وكان أنطونيوس الكبير رائدا لهذا التيار التقشفي والنسكي، الذي ما لبث أن عم معظم البلدان الشرقية منطلقا من مصر إلى فلسطين وجبال لبنان وسوريا. وكان من بين الذين نهجوا هذا السبيل القديس مارون الذي عاش في العراء في جبال قورش وحول هيكلا للأصنام معبدا لله فأصبحت حياته مثالا وقدوة للكثيرين الذين تتلمذوا على يده. وقد ربطته بالقديس يوحنا فم الذهب، البطريرك المنفي، علاقات الصداقة والمودة، فأرسل إليه يوحنا كتابا من منفاه يقول له فيه إن عيون المحبة تخرق من طبعها الأبعاد ولا يضعفها طول زمان. وإننا نهدي إليك أطيب التحيات ونحن لا نفتر عن ذكرك أينما كنا لما لك في ضميرنا من منزلة رفيعة، وجل ما نسألك أن تصلي إلى الله من أجلنا”.

واردف: “في جو الخلافات اللاهوتية التي إنتشرت في أيامه عاش القديس مارون لكنه لم يتأثر بها، بل بقي ثابتا في الإيمان، ولم يدخل في هذه الصراعات. فإستقطب حوله الكثير من التلاميذ والنساك الذين حولوا جبل قورش إلى جبل مقدس عاش الكثيرون منهم في المغاور وجذوع الأشجار، وإرتفع البعض منهم على العواميد كالقديس سمعان، كي يبتعدوا عن كل المغريات. وعلى إسمه شيد الدير المعروف بدير مار مارون على شواطئ العاصي، والذي أصبح معقلا للإيمان المدافع عن المجمع الخلقيدوني، ورأسا للكثير من الأديار. وبسبب مرور زمن كبير لم يعد فيه في إنطاكيا بطريرك، وبعد أن إستشهد ثلاث مائة وخمسون من تلاميذ مارون، إنتشر أتباعه من جبال قورش وسهول سوريا الخصبة إلى جبال لبنان الوعرة كي يبقوا أحرارا في ممارسة إيمانهم ويبقوا ثابتين في هذا الإيمان، ثم إنتخبوا لهم بطريركا في القرن الثامن هو القديس يوحنا مارون”.

وتابع: “إننا بإحتفالنا اليوم بعيد القديس مارون، مدعوون للثبات في هذا الإيمان بالرغم من كل ما يعترضنا وما سوف يعترضنا من مضايقات وإضطهادات، فلن تكون هذه الإضطهادات سببا لضعف الكنيسة كما يتخوف من ذلك الكثيرون من أبناء هذه البلاد وأبناء البلدان المجاورة. فإن قول ترتليانوس يبقى صحيحا اليوم إذ أن دم الشهداء الذين يقتلون اليوم سيكون دون أي شك زرعا لمسيحيين جدد يساهمون في إعادة نشر الإنجيل في هذا الشرق، الذي كان مهدا للإيمان المسيحي والذي منه إنطلق المبشرون والرسل إلى مختلف أصقاع الأرض. لكن الذي يهدد الكنيسة اليوم هو هذه الإنقسامات الخطيرة بين أبنائها وليس على أمور إيمانية ودينية، بل على أمور سياسية وعلى السعي إلى المراكز والمصالح الشخصية. إذ ليس من الطبيعي أن يهددوا مصير الوطن ووجوده بسبب خلافاتهم على هذه المراكز والمناصب. ولذا فإننا نطرح عليهم السؤال المصيري: إلى أي مراكز ستصلون إذا لم يعد عندكم بلاد وماذا ستجنون من أرباح من بلاد قتلتم فيها كل مقومات الحياة؟ إننا ندعوهم للعودة إلى الثوابت المارونية وإلى المذكرة الوطنية التي أصدرها مؤخرا غبطة البطريرك مع مجمع الأساقفة والتي تعيد التأكيد على هذه الثوابت وتطرح الهواجس التي تراود الشعب، وترسم أسس المستقبل وتحدد الأولويات التي يتمسك بها اللبنانيون من أجل مستقبل أفضل. فيا أبناء مارون، عودوا إلى رشدكم وأصالتكم وضعوا أيديكم في أيدي بعضكم البعض، ويا أبناء لبنان، مسيحيين ومسلمين، عودوا إلى تاريخكم وإلى ما ميزكم منذ القديم في حياتكم مع بعضكم البعض عندما أوجدتم هذا الوطن المثال والقدوة بين كل بلدان الأرض، وإسمعوا ما تقوله المذكرة الوطنية بأن لبنان هو تجربة إنسانية فريدة في هذا العالم، والكنيسة المارونية لن تحيد أبدا عن هذا الرهان الذي تعتبره من صميم رسالتها الوطنية، وهي تحث الجميع على أن يجعلوا من هذه التجربة رهانا ناجحا عبر بناء فعلي للدولة القائمة على الميثاق والإنتاجية، وتعطي وطننا القاعدة الصلبة لينطلق منها في تحقيق رسالته، عملا بقول البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني (القديس قريبا): إن لبنان هو أكثر من بلد، إنه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب”.

بعد القداس ازيحت الستارة عن النصب التذكاري للمونسنيور الراحل ميشال واكيم، الذي خدم رعية مار مارون لمدة طويلة، واقيم احتفال خطابي في المناسبة في القاعة الكبرى للكنيسة قدم له الخوري جوزيف فرح.

المصدر:
الوكالة الوطنية للإعلام

خبر عاجل