#adsense

بين الرباط وطهران

حجم الخط
التوقيت وحده يضفي على معاودة استئناف العلاقات بين الرباط وطهران بعداً خاصاً، ليس أبعده أن التحولات الجارية في محور العلاقات مع الدول الغربية، ورسوخ الاعتقاد باستبدال سياسة المواجهة والإذعان لمنطق التعايش نجم عنها بعض التغيير. ولعل في صدور إشارات مشجعة من إيران تجاه دولة في الغرب الإسلامي، تفصلها عنها آلاف الكيلومترات، ما يفيد بأن الانفتاح على أبعد نقطة تكون له دلالات على صعيد العلاقات مع دول الجوار الأقرب.

أن تقوم دولة خليجية بمساع حميدة في هذا الاتجاه، بعد أن كانت الرباط ترفض مبدأ الوساطة للإبقاء على خلافاتها مع طهران في نطاق ثنائي ضيق، فذاك يعني أنها لمست لدى البلدين استعداداً متبادلاً. فقد شاركت إيران في آخر اجتماع عقدته لجنة القدس في مراكش على رغم أن العلاقات الديبلوماسية مع الرباط كانت مقطوعة منذ حوالى خمس سنوات. والحال أن المغرب أبدى تفهمه ودعمه للتقارب الحاصل بين إيران والدول الغربية، من منطلق المكاسب التي يمكن أن يحققها الطرفان، على طريق إزالة التوتر والمخاوف. غير أن طي الصفحة يظل رهن إلغاء الأسباب التي كانت وراء تدهور العلاقات بين البلدين، وفي مقدمها التزام موقف صريح، إزاء عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وبناء علاقات ثقة مع الجوار، والكف عن استخدام الصراعات الدينية لأهداف سياسية.

لا يبدو أن موقف الرباط منعزل عن سياقه الإقليمي والدولي، فقد انتقلت العلاقات بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، على خلفية طلب صاغه القادة الخليجيون، لجهة انضمام كل من المغرب والأردن إلى المنظومة الخليجية. وفيما شكل خيار الشراكة الإستراتيجية بديلاً عن الانضمام الكامل، نظرا لبعد المسافة، فإن مبادرة الرباط ترد التحية بأحسن منها، ولم تكن لتتوجه نحو فتح صفحة جديدة في العلاقة مع إيران، لولا أن المعطيات الراهنة، إقليمياً ودولياً، أصبحت ملائمة. أقلها اختبار الإرادة الحقيقية في تجاوز الأسباب التي كانت وراء قطع العلاقات.

يتعلق الأمر بمراجعات اضطرت إيران للإذعان لها، في ضوء تأثير العزلة والعقوبات الدولية وسوء التقدير إزاء التعاطي مع جوارها الإقليمي. وقد بدأت معالمها تتجلى بصورة واضحة بعد مجيء الرئيس الإصلاحي روحاني الذي يبدو أنه في طريق وضع بصماته الخاصة على سياسة بلاده. ذلك أنه بصرف النظر عن الدلالات الثنائية لفتح صفحة جديدة بين المغرب وإيران، فالأهم أن ذلك يؤشر لتحول سياسي يقابله العالم الإسلامي بالترحاب.

في رمزية استئناف العلاقات أن أسباب تعليقها همت محورين، أحدهما يطال الجوار الإيراني، من خلال الموقف الذي ناهضه المغرب ودول عدة ضد أطماع توسعية في دولة البحرين. ما يعني معاودة النظر في سياسات إيران التي أدت إلى انعدام الثقة و تزايد الحذر. فيما يطاول المحور الثاني الدور الذي كانت تلعبه السفارة الإيرانية في الرباط، لناحية استقطاب المناصرين المتشيعين. ويبدو أن النظام الإيراني كان في حاجة إلى مبادرة انفتاح على الدول العربية، تسير بموازاة الحوار القائم مع الدول الغربية. أي أن استئناف العلاقات بمثابة رسالة تطمين، ليست موجهة إلى الرباط فقط، ولكن إلى غيرها من الدول العربية والإسلامية.

إذا كان صحيحاً أن العلاقات بين البلدين لم تخلُ من هزات، نتيجة خلافات شملت قضايا عدة، في مقدمتها الصراعات المذهبية وإشكال التدخل في الشؤون الداخلية، فالصحيح أيضا من خلال الاستناد إلى قيام حوار بين المذاهب والتيارات الإسلامية، والانضباط إلى أوفاق العلاقات الدولية، والابتعاد عن مفهوم تصدير الهواجس الداخلية، يمكن أن يسعف في بناء مناخ جديد، يؤهل دول المنظومة الإسلامية إلى الاضطلاع بدور فاعل في سيناريوهات ما يرسم لمنطقة الشرق الأوسط من آفاق. إذ في إمكان إيران أن تكون الشريك المرحب به في حال تخلت عن الأسباب التي تدفع إلى التشكيك والارتياب.

لعل الرسالة القوية التي تلقتها من خلال إبعادها من طرف الأمم المتحدة تحديدا عن حضور مؤتمر جنيف 2 تحيل على المطلوب من نظام الرئيس روحاني لتحقيق اندماج في المجتمع الدولي، إذ لا يمكن لمن يعاكس إرادة الشعوب ويتدخل في شؤون الغير سياسيا وعسكريا أن يجد لنفسه مكانا في ظل التطورات الجارفة. فثمة مواقف تلتزمها الرباط إزاء الأزمة السورية أو القضية الفلسطينية أو محور العلاقات العربية، لا تلتقي بالضرورة مع خيارات إيران. لكن بدء الحوار يفيد إلى حد ما في تلمس معالم الأزمات، وحين يصار إلى استئناف العلاقات بين دولتين إسلاميتين في الظرف الراهن، فمعنى ذلك أن الاتجاه نحو بلورة التضامن الإسلامي في معانيه الكبرى والتزاماته المبدئية، أفضل طريق نحو الاندماج.

لا يهم إن كانت البداية من مجرد معاودة علاقات ديبلوماسية، فالأهم أن يترتب عليها تغيير في النظرة إلى الأشياء، وهو ما تحتاجه إيران قبل غيرها. أما الرباط فقد تعايشت مع فترة تعليق العلاقات وكأن شيئاً لم يحدث.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل