عون أيّد وثيقة بكركي… ماذا سيفعل بـ”التفاهم”؟ لا مفر من الحياد ورفض السلاح غير الشرعي
ما كانت بكركي تستطيع إصدار وثيقة عن رؤيتها إلى لبنان بغير الروح التي أصدرت بها وثيقتها الأخيرة، وإلا لا تعود بكركي. البطريركية المارونية عندما يتعلق الموضوع بفكرة لبنان هي قبل 14 آذار وقرنة شهوان وفوقهما وبعدهما، وأياً يكن البطريرك، لأن تاريخ البطاركة يلقي هنا بثقله ولا مفرّ. لا يمكن تصوُّر البطريركية المارونية تشيد بسلاح مقاومة “حزب الله” مثلاً، أو تؤيد خروجاً على الدولة اللبنانية الجامعة، وانتقال مجموعة حزبية مسلحة من لبنان إلى بلد مجاور للقتال فيه. لا تقدر. هذه من طبيعة الأشياء.
كانت مفهومة بعد إعلان الوثيقة مسارعة قوى 14 آذار بقياداتها وأحزابها وشخصياتها إلى تأييد مضمون الوثيقة، ولزوم قوى 8 آذار صمت مَن على رؤوسهم الطير، إلى أن خرق حراجة الموقف رئيس “تكتل التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون مبدياً تأييده هو أيضاً للوثيقة ببيان مكتوب من بكركي. لكنه تأييد مشوب بالتباسات ناتجة من تناقض جوهري، في الصميم ، بين الوثيقة و”ورقة التفاهم” التي وقعها النائب الجنرال مع الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في كنيسة مار مخايل قبل تسع سنوات.
كيف سيترجم الجنرال تأييده دعوة البطريركية إلى حصر امتلاك السلاح بيد الدولة اللبنانية عبر الجيش والأجهزة الأمنية الرسمية؟ سؤال أول يطرح نفسه تلقاءً، يليه الأصعب: كيف سيترجم تأييده حياد لبنان- وبالتالي “إعلان بعبدا”- فيما هو متحالف مع حزب شديد الإرتباط بمحور إقليمي يمتد من طهران إلى دمشق، ويقاتل في كل ناحية ودسكرة في سوريا، مثيراً من حوله صخباً هائلاً في العالم العربي وجنون الإنتحاريين المجانين أصلاً؟
سيحتاج النائب الجنرال إلى معجزة ليجمع بين هذين الإلتزامين ولن يستطيع أن يجمع بينهما. والأرجح أن ينحاز إلى جانب الإلتزام الذي يحمل توقيعه على حساب الوثيقة التي تحمل توقيع البطريرك.
ولعلّ الحديث الذي دار في صالون بكركي لدى استقبال البطريرك الراعي للجنرال عون والتقطته آلات تسجيل المصورين على غفلة من الرجلين يؤشر إلى حسابات مختلفة لكل منهما. صحيح أن البطريرك ليست له في المطلق حسابات، لكنه وفريقه ولا سيما من المطارنة عند الوصول إلى التعبير عن الإقتناعات يُسمعون الرعية كلاماً مختلفاً، بل يتعذر تفكيك معانيه أحياناً. عندما يضعون فريقي 14 آذار و8 آذار مثلاً في المستوى نفسه، رغم أن أحدهما ينحاز إلى لبنان والآخر ينحاز أقله إلى ما ينسف الفكرة اللبنانية من أساسها من خلال تشبثه بالسلاح غير الشرعي ورفعه إلى مصاف القداسة. وكذلك تقديس المتهمين من أعلى محكمة دولية بالإغتيال السياسي، أو من خلال تدخله العسكري في بلد آخر وشن حروب داخلية وخارجية من دون عودة أو اعتبار لوجود دولة في لبنان، حتى لو كانت دولة في أضعف أحوالها.
ستكون الوثيقة من زاوية الرؤية هذه إلزاماً لبكركي أيضاً. للبطريركية التي لا تزال متأثرة بزمن سحيق القدم كانت فيه هي القيادة الروحية والزمنية معاً للرعية. تغيّر الزمن. ما عاد رجال السياسة الموارنة مُقدَّمين ينفذون أوامر مرجعهم الروحي، لكن الوثيقة يجب أن تكون عهداً يجمع بينهم وبين البطريركية، عهداً يعلو أي “تفاهم” مع أي طرف أو دولة على حساب لبنان.