#adsense

صدى معارك يبرود في عرسال…

حجم الخط

كتب ألان سركيس في صحيفة “الجمهورية”:

تتحرَّك عرسال وصفائحها الجبليّة على وقع معارك القلمون التي بدأت مدافعها تقصف وتدوّي، حيث شكَّلت جبالها التي تستهدفها غارات الطيران الحربي السوري مادة جدليّة، بعدما اتَّهمها النظام السوري وحلفاؤه بأنّها تأوي عناصر من «الجيش السوري الحر»، فيما يرفض العراسلة هذه الاتّهامات. يأتي ذلك في وقت تستمّر البلدة باستقبال مئات العائلات السوريّة النازحة بلا حدود من يبرود والبلدات المجاورة هرباً من جحيم المعارك.

يظنّ مَن يقصد عرسال بعد الإجراءات الأمنية الأخيرة أنّه يعبر الى منطقة حرب أو دولة معادية، إذ إنّ السؤال البديهي الذي يُطرح على الحواجز الأمنية هو ما إذا كنت تملك ترخيصاً أو تصريحاً لكتابة تقرير صحافي عن البلدة. لا تخفي عرسال دعمها للمعارضة السورية، كما لا يخفي جيرانها تأييدهم النظام السوري، وهذان الموقفان المتضاربان أنتجا مشكلات وعمليات خطف متبادلة بين عرسال وجيرانها، وخصوصاً بلدة اللبوة، ما دفع الجيش اللبناني إلى التشدّد في إجراءاته الأمنية عند مداخل البلدة، بعدما اشتكى العرساليون من حواجز “حزب الله”.

تصبح طريق عرسال سالكة بعد عمليات التفتيش والتدقيق في الهويات عند الحاجزين الرئيسيّين للجيش، ولا تخلو طريق البلدة التي صوِّرت على أنّها مأوى للمجموعات المسلّحة، من أعلام الثورة السورية والشعارات المؤيّدة لدرعا وبقيّة المدن الثائرة التي كتبت ورسمت على الصخور. عرسال المشهورة بمقالعها وصناعتها للحجر، لا يزال الثلج يغطّي أرضها القاحلة، وتبدو الحياة طبيعيّة وسط البلدة، حيث الطرق محفّرة وسط جريان المياه في موسم شحّ الأمطار.

يبرود في البلدة

يُعلّق أحد العرساليين ممازحاً بأنّهم باتوا واحداً في المئة من سكّان البلدة، فيما السوريون أصبحوا الأغلبيّة، فلم يعد هناك أراضٍ لنصب الخيم، ويهزَأ العرساليون من الكلام الذي يُسوّق بأنّ بلدتهم أصبحت ملجأً لـ”الجيش السوري الحرّ” والإرهابيين، معتبرين أنّ هذا الكلام هو للاستهلاك الإعلامي، “فمعركة الجيش الحرّ مع النظام السوري وليس في جرود عرسال”.

يشكّل وادي الحميد المحطّة الأهمّ في رحلة النازحين السوريين. فالطريق من وسط البلدة الى الوادي طويلة ومليئة بالحفر، وهنا لا يتقيّد السائقون بشارات المرور، فعكس السير هو الاتجاه الصحيح، وتنتشر على أطراف الطريق مخيّمات النازحين، ومعظمهم من النساء والأطفال والعُجّز، فيما يدقّق حاجز الجيش في أوّل الوادي بهويّات المارّة. لا تصل المساعدات الإنسانية من الجهات المانحة الى ما بعد الحاجز، فيما يضبط عناصر الشرطة البلدية التي يبلغ عددها 60 عنصراً، أمن المخيّمات. وبالقرب من المقالع، نجد مخيّماً أطلِق عليه اسم “مخيّم القُصير” لأنّ النازحين فيه من تلك المنطقة، وهو يفتقد إلى أبسط مقوّمات الحياة: لا مياه، لا كهرباء، إيجار الأرض مرتفع، فيما تحاول البلدية نقله إلى قلب عرسال لتسهيل وصول المساعدات إليه.

تعجّ طريق وادي الحميد بنازحي القلمون، بعدما أعطى النظام السوري مهلة 24 ساعة لإخلاء يبرود ومحيطها، لأنّ المعركة بدأت. كلّ الوسائل استُخدمت للإسراع في نقل النازحين: الشاحنات، السيارات، الدرّاجات الناريّة، وباصات الركّاب. ويؤكّد القادمون من يبرود أنّ القصف العنيف بدأ على بلدتهم وبلدات الساحل وفليطة، فحملوا كلّ ما تيسّر، ومنهم من لم يستطع أن يحضر أيّ غرض معه. وينشط “الجيش الحرّ” في نقل المواطنين، وقد فصلَ عناصرَ ارتدَت “الفيلدات الزيتية” لمساعدتهم على الخروج.

«الحرّ» حاضر

يؤكّد أحد مقاتلي “الجيش السوري الحرّ” لـ”الجمهورية” أنّ “معركة يبرود ستأخذ وقتاً طويلاً، فالجيش الحرّ حشد نحو 8 آلاف مقاتل مسلّحين ومدرّبين تحضّروا لمعركة شرسة، فقد حفروا الأنفاق لكيلومترات تحت الأرض، وأقاموا التحصينات، ونصبوا الأفخاخ وأمّنوا المؤَن، وقد ساعدهم في ذلك الوقت الطويل الذي استغرقه النظام تحضيراً للمعركة”. ويلفت إلى أنّ “طبيعة المنطقة ستساعدهم، وحتّى لو استخدم النظام البراميل المتفجّرة، فإنّ المقاتلين يستخدمون الطريقة التي واجه بها “حزب الله” إسرائيل في حرب تمّوز، ومهما رموا من متفجّرات، فلن تؤثّر على المقاتلين، لأنّهم تحت الأرض”، مشدداً في المقابل على أنّ “المقاتلين يفتقدون السلاح الثقيل، علماً أنّهم قد لا يحتاجونه كثيراً في معركة قد يكون السلاح الخفيف هو الأفعل والأمضى”.

عرسال و «حزب الله»

الحديث عن تطوّرات سلبيّة على عرسال جرّاء معركة القلمون، تستبعده مصادر أمنية، وتؤكّد لـ”الجمهورية” أنّ “أيّ طرف لن يدخل عرسال، وخصوصاً النظام السوري، إذا ما سقطت القلمون، لأنّ الجيش السوري لا يستطيع اختراق سيادة بلد آخر”، موضحةً أنّ “الحدود البرّية واسعة، وعرسال تبعد عن يبرود نحو 60 كيلومتراً، وأيّ جهة ستحاول اجتياز الجبال ستتكبّد خسائر فادحة”.

بدورها، تقول مصادر “حزب الله” لـ”الجمهورية” إنّ “عرسال بلدة مقاومة تاريخيّاً، وهناك مجموعة من المسلّحين سيطرت على قرارها، وهي مدجّجة بالسلاح، لكنّ الحزب لن ينفّذ أيّ عمل عسكريّ ضدّها، وهذا ما أعلنه السيّد حسن نصرالله عندما قال إنّ من يريد مقاتلتنا فليذهب إلى سوريا ويقاتلنا هناك، فنحن لن نهاجم أحداً في لبنان، وإذا كان هناك مجموعات عسكرية أو مجموعات خارجة على القانون في عرسال، فهذه مسؤولية الدولة”، مؤكّدةً أنّ “الحزب لن يُكرّر تجربة 7 أيّار التي كانت عملاً محدوداً في وجه من حمَل سلاحاً في بيروت”، لافتةً إلى أنّ “مساحة عرسال شاسعة، ونحن قرَّرنا عدم مواجهة الفريق الثاني، والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا قرَّر الفريق الآخر فتح معركة معنا؟”.

وتشير المصادر إلى أنّ “قرار “حزب الله” دخول عرسال، سيعني أنّ الفتنة السنّية – الشيعة اشتعلت، ما سيزيد الشرخ مع السُنّة، في وقت يسعى الحزب الى الإنفتاح على سُنّة لبنان، وهذا قرار لم يتّخذه الحزب قبل ثلاث سنوات، أمّا اليوم فهو قبل بالشراكة مع تيار “المستقبل” في الحكومة من أجل لجم كلّ فتيل توتّر سُنّي – شيعي في لبنان”، معتبرةً أنّ “قضيّة الحزب هي فلسطين، لذلك لا يمكنه استجداء مزيد من العداء مع سُنّة لبنان والعرب”.

وتؤكّد المصادر أنّ “حزب الله” قرّر أن لا يكون رأس حربة في معركة يبرود، بل داعماً لجيش النظام، والدعم تُحدّده طبيعة المعركة، كذلك فإنّ المعركة ستكون مكلفة جدّاً على الحزب”، مشيرةً إلى أنّه “لا قرار نهائياً للنظام السوري بإسقاط يبرود، بل تقضي الخطة بمحاصرتها وتطويقها والعمل بتكتيك بطيء لكي لا ندخل في حرب استنزاف طويلة”.

لا يبدي أهالي عرسال خوفاً من “حزب الله” أو من أيّ فصيل يقرّر الدخول إلى بلدتهم، فقرارهم واضح في مواجهة من يجرؤ على الإقتراب منهم، لكنّهم لن يدخلوا في مواجهة مع أحد، لأنّهم يعملون طوال النهار من أجل تأمين لقمة عيشهم، وأيّ حرب ستدمّر بلدتهم، في وقت ضاقت فرص العمل بعد اكتظاظ البلدة بالنازحين. ويؤكّد رئيس البلديّة علي الحجيري لـ”الجمهورية” أنّ “عرسال لن تتأثّر بمعركة يبرود، فالبلدة كانت مطوّقة منذ فترة، وهي ليست طرفاً في المعركة، كما يسوّق إعلام “حزب الله”، لافتاً إلى أنّ “البلدة لا ترغب في دخول معركة مع “حزب الله” بل تحاول احتواء أيّ إشكال”. ويشدّد على أنّ “المشكلة مع الحزب هي في الحواجز التي وضعها على مداخل البلدة، وحاول فيها إذلال العرساليين، وعلى رغم تدخّل الدولة، فقد بقيَ الحزب على ممارساته الإستفزازيّة”.

بين جبال عرسال على الحدود السورية التي لا يظهر فيها أيّ وجود للمسلّحين، وبين مفرق البلدة عند اللبوة، مشاريع فِتن متنقّلة على وقع الحرب السورية المستمرّة، لكن يبدو أنّ المسّ بعرسال خطّ أحمر، لأنّ الجميع يهرب من الفِتن.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل