#adsense

ضد الوصاية

حجم الخط

الأمور تقترب من حافة الانهيار أمام استحقاق التواريخ والمهل الدستورية

تضخيم دور “حزب الله” كرّس وصاية أمنية سورية الى جانب الوصاية السياسية

اغتيال الرئيس معوّض أخذ “الطائف” الى مكان آخر وأصبحت الحكومات سلطات تنفيذية لما تريده دمشق من لبنان

المطلوب حكومة تسقط وصاية “حزب الله” كما أسقطت الوصاية السورية في العام 2005

ليست المرة الأولى التي يواجه فيها لبنان أزمة حكومية في مرحلة مصيرية. قبل الحرب وخلالها وبعدها، وقبل الطائف وبعده، وقبل العام 2005 وبعده، استمرت الأزمات. في كل مرحلة كانت للأزمة هوية وشخصية وتداعيات وثمن للخروج منها. لذلك تبدو أزمة تشكيل الحكومة اليوم مشابهة. فما هي وظيفة هذه الحكومة وما هو الثمن المطلوب للخروج من هذه الأزمة ومن يجب أن يدفعه؟ ولماذا ترفض “القوات اللبنانية” المشاركة في حكومة جامعة وتطالب بحكومة حيادية؟ هل المسألة تتعلق بالحصص وبتقاسمها أم بإنقاذ وطن مهدّد قد تساهم مثل هذه الحكومة في إعلان وفاته ودفنه؟ فهل المطلوب حكومة إنقاذ أم حكومة تقطيع وقت؟

في العام 1969 بقي الرئيس رشيد كرامي عدة أشهر من دون أن يشكل الحكومة. كانت صلاحيات رئيس الجمهورية هي التي تسمح له بتشكيل الحكومة. يسمي رئيس الحكومة والوزراء تقريبا ويقيلهم ويدعو إلى استشارات جديدة غير ملزمة. ولكن على رغم هذه الصلاحيات لم تكن الأزمات قابلة للحل، وكان هناك من يشارك الرئيس هذه الصلاحيات من دون نص. في تلك المرحلة كان لبنان يدخل إلى اتفاق القاهرة والكفاح الفلسطيني المسلح وكانت الأزمة الحكومية تعبيرا عن موازين القوى الجديدة على رغم الفوز الذي حققه الحلف الثلاثي في انتخابات العام 1968، إلا أنه لم يكن قادرا على تجنب الفتنة وعلى تشكيل حكومة تحكم.

عندما انتخب الرئيس سليمان فرنجية اعتبر انتخابه انتصارا لخط الحلف الثلاثي. ولكن في العام 1973 بدا كأن حكمه يترنَّح. في 10 نيسان 1973 نفذت وحدة كوماندوس إسرائيلية عملية اغتيال ثلاثة قادة من “منظمة التحرير الفلسطينية” في شارع فردان. طالب رئيس الحكومة صائب سلام باستقالة قائد الجيش العماد اسكندر غانم. رفض الرئيس فاستقال سلام. بعد شهر واحد كانت الحرب الأولى بين الجيش اللبناني والفلسطينيين. تدخلت الدول العربية وتوقفت العملية العسكرية وترسّخ النفوذ الفلسطيني المسلح والسياسي وبات رئيس “منظمة التحرير الفلسطينية” ياسر عرفات شريكا في القرار وفي تشيكل الحكومات مع الحركة الوطنية. لم تنفع يومها لا الحكومات العسكرية ولا السياسية ولا الأسماء الكبيرة ولا المغمورة ولا أمين الحافظ ولا نور الدين الرفاعي.

مع الرئيس الياس سركيس لم تتبدل القواعد. صارت سوريا شريكة في التأليف وكل حكومة كانت لها ظروف حتى حكومة الرئيس شفيق الوزان التي رافقت عملية الإجتياح الإسرائيلي.

حاول الرئيس أمين الجميل أن يحكم مع الوزان. ولكن لبنان كان على موعد مع حروب جديدة مهّدت لعودة الجيش السوري إلى بيروت. في العام 1984 كانت عملية التحوّل السياسي الكبرى مع تكليف الرئيس رشيد كرامي تشكيل حكومة أقطاب ضمّت الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل ووليد جنبلاط ونبيه بري وتم من خلالها العودة من واشنطن إلى دمشق بالإضافة إلى سلسلة تنازلات كان لا بد منها وأهمها إستقالة قائد الجيش العماد ابراهيم طنوس وتعيين العماد ميشال عون محله.

تجربة كرامي لم تمنع الفراغ الرئاسي في أيلول 1988 وأدت إلى تجربة الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون. كانت وظيفة هذه الحكومة تأمين انتخاب رئيس للجمهورية ولكن عون ذهب إلى الإستئثار بالسلطة وإلى حربي “التحرير” و”الإلغاء” وإلى فشل ذريع لهذه التجربة التي انتهت باتفاق الطائف.

كان من المقدر أن يكون الطائف على قياس الرئيس رينيه معوّض ولكن اغتياله قلب المقاييس والمعادلات وأخذ الطائف إلى طائف آخر إلى عهد الوصاية السورية. أول تعبير عن هذا التحوّل كان انتخاب الرئيس الياس الهراوي رئيسا للجمهورية لتصبح معه الحكومات سلطات تنفيذية لما تريده دمشق من لبنان. وترافق هذا التحوّل مع تكريس دور “حزب الله” العسكري على الساحة اللبنانية وكجزء آخر من الصورة: وصاية سياسية ووصاية أمنية. منذ ذلك التاريخ كانت “القوات اللبنانية” في المواجهة مع عهد الوصاية وتطبيقاته، ولذلك ذهبت إلى المعارضة من دون أن تكون شريكة في المحاصصة وكان لهذه المعارضة ثمن لم تتهرب “القوات اللبنانية” من تحمله.

عندما شاركت في حكومة الطائف الأولى كانت تريد أن تكون مشاركة في القرار من الداخل من أجل تصحيح المسار. ولكن عندما بدت الأمور ذاهبة في اتجاه تكريس التحوّل انسحبت. في الحكومة التي شكلها الرئيس عمر كرامي لم يشارك الدكتور سمير جعجع. كانت المواجهة مستمرة ونجح الإعتراض في إسقاط هذه الحكومة في 6 أيار في الشارع. كان المطلوب وقتها العودة إلى تطبيق روح الطائف  ولكن بدل ذلك ذهب قرار عهد الوصاية إلى حكومة الرئيس رشيد الصلح وإلى تقريب موعد الإنتخابات النيابية من ربيع العام 1994 إلى ربيع العام 1992 من أجل تأجيل قرار سحب القوات السورية الذي كان مفترضا أن يتم في ذلك العام. بدل الإنسحاب كانت سوريا تريد أن تكرس الإحتلال. قادت “القوات اللبنانية” مع بكركي والبطريرك صفير معركة المقاطعة التي انضم إليها تمام سلام ولكن الإنتخابات حصلت.

تداعيات تلك المرحلة أدت إلى قرار اعتقال الدكتور سمير جعجع وحل حزب “القوات اللبنانية” ومع ذلك لم تبدل “القوات” قناعاتها ولا تنازل الدكتور جعجع، فالمعركة لا تتعلق بجولة واحدة بل بمسار وبخيار وبمبادئ وقناعات.

خلال أحد عشر عاما بقيت هذه القناعات هي التي تحكم مواقف “القوات” والدكتور سمير جعجع وقد كان مقدرا لها أن تنتصر في النهاية. ابتداء من العام 2000 بدا كأن مسار التغيير حتمي. من انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، إلى وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، إلى بيان مجلس المطارنة الموارنة، إلى أحداث 11 أيلول 2001، إلى الحرب الأميركية ضد الإرهاب واحتلال أفغانستان ثم العراق، إلى القرار 1559 الذي كان واضحا في رسم مسار استعادة لبنان لسيادته وإنهاء عهد الوصاية السورية ووصاية “حزب الله” الأمنية.

اعتبارًا من ذلك التاريخ بدا وكأن خيارات “القوات اللبنانية” هي التي عادت إلى الواجهة وقد بدأ معها العد العكسي لخروج الدكتور جعجع من السجن بينما كان عهد الوصاية يحاول أن يمشي عكس التيار. من هناك بدأ المسلسل بمحاولة اغتيال النائب مروان حماده في أول تشرين الأول 2004. بعده تم إجبار الرئيس رفيق الحريري على الإعتذار عن عدم تشكيل الحكومة. كان مساره في الحكم تصاعديا. قبل انتخابات 1992 لم يكن له مطرح. بعدها أفسحوا له المجال بعد القبض على القرار التشريعي بحيث يكون الواجهة الإقتصادية من دون أن يكون شريكا في القرار السياسي، ولكنه لعب في الممنوع. في العام 1996 خاض الإنتخابات النيابية من ضمن التركيبات السورية للوائح وكرس نفسه زعيما سياسيا ولذلك كانت مواجهته حتمية من خلال إيصال العماد إميل لحود إلى قصر بعبدا في العام 1998. كانت أولى حكومات عهد لحود برئاسة الرئيس سليم الحص محاولة لمواجهة رفيق الحريري ولكن التجربة انتهت بخيبة انتخابات العام 2000 التي رسخت زعامة الحرير وتحالفه مع وليد جنبلاط الذي كان أعلن خروجه من الخندق السوري وفتح خطوطا مع الأطراف المسيحية. في هذا التحالف كان البطريرك صفير القطبة الثالثة والقطب الثالث وقد ترسخ هذا الأمر أكثر وأكثر في زيارته التاريخية إلى الجبل. لم تكن مجرد مصالحة بين البطريرك صفير والنائب وليد جنبلاط بل بين “القوات اللبنانية” و”الحزب التقدمي الإشتراكي”. لم يكن عهد الوصاية قادرا على مواجهة مثل هذه التطورات إلا بعملية انقلاب أمني نفذها في 7 آب 2001 وبمحاولة احتواء حتمية عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة. عندما أجبر الحريري على مغادرة السلطة بعد القرار 1559 والتمديد لأميل لحود كان لحكومة الرئيس عمر كرامي وظيفة محددة. لقد تشكلت هذه الحكومة في ظل قرارات الإغتيال المتخذة وكان الهدف منها الحد من سلسلة الخسائر السياسية ومحاولة منع انهيار دولة الوصاية وربما التغطية على عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري خصوصا مع ما ظهر في المحكمة الدولية من تزامن بين القرارين الأمني والسياسي. لقد بدأت مراقبة الرئيس الحريري اللصيقة من أجل تنفيذ قرار الإغتيال مع خروجه من رئاسة الحكومة ومع تشكيل حكومة الرئيس عمر كرامي.

ولكن هذه الحكومة سقطت كما في العام 1992 تحت ضغط الشارع ولكن بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانفجار ثورة الأرز في 14 شباط 2005 وفي خلال تشييعه في اليوم التالي. في 28 شباط اضطر كرامي أن يعلن استقالة حكومته ثم اضطر أن يعلن عجزه عن تشكيل حكومة رديفة فذهبت الأمور في اتجاه تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الإنتقالية الحيادية التي أمنت إجراء الإنتخابات النيابية في العام 2005 لتمثل الرد المتأخر على إنتخابات 1992 التي قاطعتها “القوات اللبنانية”. في هذه الإنتخابات تمثلت “القوات” بستة نواب على رغم أن الدكتور سمير جعجع كان لا يزال في السجن وتمثلت بوزير في الحكومة التي تشكلت بعدها برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة. هذه الحكومة كانت تعكس ثورة الشارع والإنتفاضة على عهد الوصاية بعدها رسمت الطريق لخروج الدكتور سمير جعجع من السجن ولعودة العماد ميشال عون من باريس. ذهب الدكتور جعجع إلى موقعه الطبيعي في 14 آذار بينما ذهب العماد عون إلى تفاهمه مع “حزب الله”. في 5 شباط 2006 كان عون يوقع التفاهم مع السيد حسن نصرالله في كنيسة مار مخايل في الشياح بينما وقف الدكتور سمير جعجع إلى منصة الخطباء في 14 آذار 2006 في ساحة الشهداء، وبدأ عون مع “حزب الله” مسار الإنقلاب على حكومة الرئيس السنيورة حرب تموز 2006 إلى حرق الدواليب وقطع الطرقات في 23 كانون الثاني 2007 إلى حصار السرايا الحكومي في محاولة لمنع تشكيل المحكمة الدولية بعدما بدأت تتكشف علاقة “حزب الله” بعملية اغتيال الرئيس الحريري وبعد حصول عمليات اغتيال لقيادات 14 آذار.

انتهت حرب إسقاط حكومة السنيورة في 7 أيار وبعد تفاهم الدوحة. كان انقلابا عسكريا كاملا. بعد الدوحة تم انتخاب الرئيس ميشال سليمان وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري من أجل تخفيف الإحتقان وتمرير انتخابات العام 2009 التي كان “حزب الله” يأمل من خلالها الحصول على الأكثرية النيابية والذهاب وحيدا إلى تشكيل حكومة من طرف واحد. قال السيد حسن نصرالله وقتها “فليحكم من يحصل على الأكثرية”. حصلت الإنتخابات وبقيت الأكثرية مع 14 آذار. ولكن “حزب الله” منع تشكيل حكومة من هذه الأكثرية. في وهج ذلك الإنتصار تم الحديث عن تسوية سعودية سورية إيرانية. ذهب الرئيس سعد الحريري إلى دمشق وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية بثلث معطل وبثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”. ولكن هذه التجربة انتهت بمرارة إسقاط هذه الحكومة بينما كان الرئيس سعد الحريري يهم بمقابلة الرئيس الأميركي باراك أوباما. أثبتت التجربة فشل تلك الحكومة وطرحت علامات استفهام حول الجدوى من الوجود على طاولة واحدة مع “حزب الله”.

بالقوة منع الحزب عودة الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. كان لا بد من العودة إلى خيار حكومة “حزب الله” برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي وبقبول النائب وليد جنبلاط. قبل أن يشكل ميقاتي حكومته اندلعت الثورة في سوريا. كما كانت حكومتا الرئيس عمر كرامي في العام 1992 ثم في العام 2004 تغطية لقرار كبير كانت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تغطية لقرار كبير. سرعان ما ظهر هذا الأمر في قتال “حزب الله” في سوريا. ولكن هذه الحكومة لم تستطع أن تشكل حزام الأمان للحزب وقراراته وانتهت إلى السقوط. لم يعد الرئيس نجيب ميقاتي يحتمل الإنهيار التدريجي للدولة فقدم استقالة حكومته. كان على “حزب الله” أن يستوعب هذه النكسة ويمنع قوى 14 آذار من تشكيل حكومتها. الإلتفاف بدأ مع تسمية النائب تمام سلام رئيسا مكلفا تشكيل الحكومة وتحوّل إلى المطالبة بحكومة جامعة. أضاعت قوى 14 آذار الفرصة تحت التهديد بأن “حزب الله” لن يقبل حكومة من طرف واحد.

اليوم تقترب الأمور من حافة الإنهيار أمام استحقاق التواريخ والمهل الدستورية. كما في العام 1992 وفي العام 2005 وفي العام 2009 تمسكت “القوات اللبنانية” بخياراتها وبالمبادئ. لا تسوية على حساب الحرية والسيادة والإستقلال. لا مشاركة مع “حزب الله” طالما لم ينسحب من سوريا وطالما لم يندرج تحت سقف “إعلان بعبدا” ويعلن تخليه عن سلاحه. لا عودة إلى ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”. إما دولة وإما لا دولة. لقد وضع الرئيس ميشال سليمان سقفا عاليا للرئاسة لم يعد يجوز النزول تحته ولذلك تبدو محاولة تشكيل حكومة جامعة نزولا تحت هذا السقف وتبدو من خلالها مناورة “حزب الله” واضحة. لقد انتقل الحزب من مناورة تأييد تسمية الرئيس تمام سلام إلى مناورة القبول بحكومة 8+8+8. وبالتالي لا يجوز أن تنطلي عملية الخداع المكشوفة ولو تحت عنوان تمرير المرحلة. إن ما يحتاجه لبنان اليوم حكومة حيادية تحكم خارج الإصطفافات والإنقسامات السياسية. حكومة تمهد للإنتخابات الرئاسية لا حكومة تحل محل الرئيس وتمهد للفراغ في قصر بعبدا. من هنا يمكن فهم ما ذهب إليه الدكتور سمير جعجع و”القوات اللبنانية” في رفض المشاركة في حكومة من هذا النوع، ومن هنا يمكن فهم المبدأية التي تحكم موقف “القوات” وتتناقض مع المحاصصة التي يذهب إليها البعض. فالمسألة لا تتعلق بحقائب بل بحكومة وبرئاسة جمهورية وبخيارات من أجل أن تكون هناك دولة واحدة غير خاضعة لمنطق الوصاية الجديدة. حكومة تضع حدا لهذه الوصاية وتسقطها كما أسقطت الوصاية السورية في العام 2005.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل