الشهادات تفضح أدوار بعض كبار الأمنيين في عملية تسهيل طمس معالم الجريمة

المحكمة الدولية تراكم الأدلة بعد الأدلة على لسان الشهود بحق المتواطئين بارتكاب جريمة إغتيال الحريري
الشهادات تفضح أدوار بعض كبار الأمنيين في عملية تسهيل طمس معالم الجريمة
شهادة الشهود تُطيح بكل محاولات التقليل والإستهانة بالمعلومات التي أدلوا بها وتضع حداً لمحاولات التهرّب من المساءلة وتثبت بالوقائع ما كان متداولاً حول ارتكاب الجريمة

«مَنْ يتابع وقائع جلسات المحكمة الدولية الخاصة بمحاكم المشتبه فيهم بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يلاحظ بوضوح أهمية الاستماع إلى معظم الشهود الذين استدعتهم المحكمة للاستماع إليهم، حتى الذين لم يكونوا في نظر الرأي العام على لائحة الشهود المهمين والذين يُعوَّل على شهادتهم أو لأنهم لم يكونوا في موقع القرار الأمني والسلطوي المؤثر وبالتالي لا يملكون أي معلومات دقيقة وحساسة قد تؤدي إلى إدانة لمشتبه فيهم والمتورطين في هذه الجريمة الارهابية الخطيرة.

فالأسلوب الاحترافي وتسلسل الأسئلة بدقة متناهية في كيفية حضور هؤلاء الشهود إلى ساحة الجريمة، إما بصفتهم الوظيفية الرسمية في أي إدارة من إدارات الدولة ومؤسساتها أو لقرابتهم لأي من الضحايا، قاد المحكمة تدريجبياً إلى معلومات مهمة، تكشف بصورة لا يرقى إليها الشك إلى الجهات أو المسؤولين الأمنيين والإداريين وغيرهم الذين أصدروا التعليمات المباشرة لإزالة الأدلة المادية من هياكل وأجزاء سيارات موكب الرئيس الحريري من ساحة الجريمة بسرعة قياسية خلافاً لما هو متّبع في مثل هذه الجرائم الارهابية الخطيرة ومن ثمّ القيام بطمس بقية الأدلة المتبقية إما بطمرها بالرمول أو بغمرها بالمياه قبل الكشف الحسي الدقيق عليها من الجهات المختصة للاستناد إليهافي التحقيق المطلوب لكشف الجناة.

ولذلك. فإن ما كشفه هؤلاء الشهود من وقائع تفصيلية من مهماتهم ومشاهداتهم الميدانية بعد وقوع الجريمة مباشرة وما تلاها من اجراءات، يقود بشكل تلقائي إلى المسؤولين أو القادة الأمنيين الذين كانوا في موقع المسؤولية يومذاك، وأعطوا التعليمات المباشرة لمن دونهم رتبة للقيام بعملية إزالة الركام وطمس الأدلة، وهي معلومات كانت معروفة من القاصي والداني ومتداولة على ألسن اللبنانيين من قبل لأنها حصلت في وضح النهار و«على عينك يا تاجر» وموثقة في أكثر من محضر رسمي، ولكن كان يتم التشكيك فيها من قبل هؤلاء المسؤولين المشتبه فيهم بالتواطؤ الضمني بارتكاب هذه الجريمة مع المجرمين الأساسيين، لتفادي المساءلة وتجنّب الملاحقة القانونية التي يمكن أن تطالهم فيما بعد. ولكن بعد ما قاله هؤلاء الشهود أمام المحكمة الدولية، بدون أي ضغط وبكل حرّية وأمام أكبر محفل قضائي دولي مشهود له بحرفيته وشفافية المحاكمة، لا يمكن التقليل أو الاستهانة بالمعلومات التي يدلي بها هؤلاء الشهود، لأنها تضع حداً لكل محاولات التهرّب من المساءلة وتثبت بالوقائع ما كان متداولاً وتزود المحكمة بأدلة واضحة ومحكمة لتكوين صورة متكاملة عن الهدف السياسي الكامن وراء ارتكاب هذه الجريمة.

وما يحصل في المحكمة الدولية حتى الآن، وما يتم الكشف عنه على ألسنة الشهود تباعاً، يُعيد إلى أذهان اللبنانيين مشاهد يوم ارتكاب الجريمة النكراء وما استتبعها من محاولات متكررة ويائسة ممن كان يُسمّى يومذاك بالنظام الأمني السوري، بكل رموزه السياسيين والأمنيين المأجورين، لتطويق مضاعفات هذه الجريمة ومنع أي تداعيات محتملة لها، والسعي بكل الامكانات الترهيبية المتوفرة لأجهاض الدعوات السياسية والشعبية المطالبة بالتحقيق فيها من أي سلطة محلية مهما كان مستواها أو دولية، اعتقاداً من هذا النظام بطمس معالمها ومنع تفاعلاتها، كما حصل لدى ارتكابه العديد من جراء قتل رموز سياسية ودينية ووطنية بارزة كانت تعارض توجهاته منذ دخول القوات السورية إلى لبنان قبل حوالى أربعة عقود تقريباً.

ولا شك أن شهادات هؤلاء الشهود وخصوصاً الذين اضطلعوا بمهمات ميدانية لدى حدوث جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ستعيد تسليط الأضواء من جديد على الأدوار القذرة التي قام بها كبار المسؤولين والقادة الأمنيين الذين انخرطوا في بوتقة هذا النظام الأمني يومذاك، لتسهيل ارتكاب هذه الجريمة والتغاضي عن التحضيرات الجارية بخصوصها عن سابق قصد وتصميم، باعتبار أنه لا يمكن القيام بمثل هذه الجريمة الخطيرة بمعزل عن معرفة الأجهزة التابعة لها والتي تغطي لبنان كله.

فالمحكمة الدولية تستجرّ يومياً الأدلة بعد الأدلة وتراكم المزيد منها على ألسنة الشهود بأسلوب متقن وهادئ مشهود له، وكل يوم تتكشف حقائق ووقائع جديدة، بعضها معروف، والبعض الآخر يكشف عنه حديثاً، وهذه الأدلة تعطي مؤشرات مشجعة على إمكانية ملاحقة المتواطئين والمسهّلين من مسؤولي وضباط النظام الأمني السوري اللبناني السابق، وهو ما يعيد إلى الأذهان بأن كل ما طالهم من اتهامات في السابق صحيحة، وكل محاولات التهرّب القاطعة والصلبة التي تراكمها المحكمة الدولية بحقهم.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل