كتبت صحيفة “اللواء”:
مع تفاقم الأزمة الداخلية، حيث ما زال لبنان يُحكم بواسطة حكومة مستقيلة منذ أكثر من عشرة أشهر، ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي، حيث باتت غالبية اللبنانيين تخشى من أن يمتد نهج التعطيل ليطال هذا الاستحقاق الهام، إضافة إلى انفلات الأمن، وتدهور الاقتصاد وزيادة البطالة المقرونة بهجرة الشباب بعد تهجير الاستثمارات، مع تزايد كل هذه العناوين السلبية، أصدرت بكركي «مذكرة وطنية» حذرت فيها من استمرار الأزمة الضاغطة على البلد وأهله، ورأت بكركي في المذكرة أن «الخروج من الأزمة الراهنة لا يكون إلا بالعودة إلى المصلحة الوطنية العليا على أسس الميثاق والدستور، لأن لبنان إما ننجزه معاً أو لا يكون..»، وحددت المذكرة الأولويات ومنها «استكمال تطبيق الطائف، تأليف حكومة كفية»، ورأت «أن الحياد هو أنجع الطرق للحفاظ على التعددية في البلدان المركبة..، وأن لبنان يجب أن يكون قوياً للدفاع عن نفسه..، يجب تحييده عن الصراعات بين المحاور الإقليمية والدولية كما نص إعلان بعبدا، وأنه لاستكمال بناء السلطة داخلياً وبسطها على كامل الأراضي اللبنانية يجب وضع قانون جديد للانتخابات وفق الميثاقية، وإقرار اللامركزية الإدارية الموسعة..».
رأى كثيرون أن ما أعلنته بكركي يشكل وثيقة وطنية وخارطة طريق للخروج من الأزمة الحالية.
«اللواء» التقت الوزير السابق رئيس المجلس العام الماروني وديع الخازن وحاورته حول مضمون الوثيقة كونه رجل اعتدال ومن الشخصيات المقربة جداً من بكركي، فرأى أن «وثيقة بكركي جاءت لتصويب المسار السياسي بعد تدهور عمل المؤسسات العامة وتعطيلها، إضافة إلى الخطر الذي يهدد المؤسسات الدستورية من حكومة أو مجلس نواب ورئاسة جمهورية، وأن دعوة بكركي جاءت لجميع اللبنانيين وللمسيحيين خاصة لتقول كفى ماذا ينفع إذا ربحنا السلطة وخسرنا الوطن؟.. وأن الراعي والمطارنة أرادوا من هذه الصرخة وقف عملية سقوط الدولة وأنه «طفح الكيل»، «فالجميع في مركب واحد»، وأعلن أن «اسرائيل تعمل للفتنة بين اللبنانيين للقضاء على دور لبنان وصيغة التعدد فيه لأنها تتناقض مع اسرائيل الهادفة إلى إقامة دولة يهودية».
وطالب القوى السياسية «تسهيل مهمة الرئيس تمام سلام بتشكيل الحكومة، فهو يمثل الاعتدال اللبناني، وأنه على قوى الاعتدال التفاهم في ما بينها لأن التطرّف يستهدف الجميع، وأن اتفاق الطائف ما زال صالحاً لتأكيد القواسم المشتركة بين جميع اللبنانيين».
وحول دعم المملكة العربية السعودية للبنان قال: «نثمّن دعم خادم الحرمين الشريفين للجيش اللبناني وهو تعبير عن حرص المملكة على دعم الدولة واستقرار البلد»، وأخيراً أبدى خشيته «من أن يطال الفراغ موقع رئاسة الجمهورية، وما يمكن أن يلحق جراء ذلك من ضرر على البلد كله».
الحوار مع الوزير السابق وديع الخازن يحمل دلالات كبيرة وهامة نظراً لما يمثل من اعتدال وهي أكبر شريحة في المجتمع اللبناني ونظراً لقربه من بكركي رأس الكنيسة المارونية.
كان الحوار متنوعاً وشاملاً وجاءت وقائعه على الشكل التالي:
حوار: حسن شلحة
وثيقة بكركي لتصويب المسار السياسي
< ماذا قرأت في الوثيقة السياسية التي أصدرتها بكركي منذ أيام؟
– عادت وأكدت بكركي مجدداً انها الملاذ الأوّل والاخير لهذا البلد الذي أرسى دعائمه البطريرك حويك عندما تمّ رسم لبنان الكبير بالتوافق مع الدولة الفرنسية.
وفي هذه المناسبة، أريد أن اؤكد انطلاقاً مما عبر عنه غبطة البطريرك من مضامين مرتبطة بالحفاظ على التنوع في لبنان وعلى الوحدة الداخلية بين اللبنانيين، والتي تشكّل أمضى سلاح لمواجهة الاخطار المحدقة بهذا البلد، وخصوصاً ان الأوضاع الداخلية وصلت الى مرحلة من السوء لم تعد تمنحنا التفاؤل وتبشر بالخير، إن كان على صعيد المؤسسات العامة التي باتت في حالة اهتراء وتراجع دورها الى حد كبير مما يتطلب إصلاحها وبث روح العصر فيها لتقدم للبنانيين الخدمات المطلوبة، فالمؤسسات العامة باتت متخلفة مما يجب، ويتطلب إدخال روح العصرنة عليها، هذا من حيث الإدارة، وفي السياسة نرى تراجعاً خطيراً في المشهد السياسي اللبناني، فالمؤسسات الدستورية كلها باتت في خطر، حيث دورها معطّل، فلا مجلس النواب يعمل حيث الخلافات السياسية شلت وعطلت جلساته، وهو اهم مؤسسة رقابية، كما أن البلد يدار بحكومة تصريف اعمال منذ عشرة أشهر، وهذا يعني أن السلطة التنفيذية مشلولة ولا تستطيع أن تتخذ قراراً واحداً.
امام بروز وتفاقم هذه الاخطار التي باتت تُهدّد الكيان اللبناني كان لبكركي اليوم صرختها وتحذيرها من أجل وقف هذا التدهور، فبكركي لا يمكن أن تصمت وتغض النظر عمّا يجري من تطورات خطيرة، فالبلد يسير من سيئ إلى أسوأ، فجاء نداء بكركي هذا لتصويب المسار السياسي حفاظاً على الدولة والمؤسسات وعلى الوحدة الوطنية والصيغة.
خارطة طريق لمستقبل لبنان
< يبدو أن بكركي لديها معطيات خطيرة لتصدر هكذا نداء؟
– الكنيسة استشعرت النتائج السلبية لما يجري بين القوى السياسية المختلفة، فهذه المشاحنات والخلافات أدّت إلى شل البلد وإلغاء دوره، فلبنان كان المنارة والبوصلة في المنطقة العربية فأين هو اليوم هذا الدور؟ فنداء بكركي الذي أعلن هو تأكيد لما كان يعلنه بصورة دورية غبطة البطريرك الراعي منذ انتخابه رئيساً للكنيسة المارونية، ومما يؤسف له أن نداءات البطريرك لم تجد التجاوب المطلوب من القوى السياسية التي بقيت على تجاذباتها، فوصل حال البلد الى هذه الحالة من السوء والتدهور، كل ذلك دفع بكركي لتطلق هذه الصرخة التي لقيت الترحاب من غالبية شرائح ومكونات المجتمع اللبناني. فالوثيقة أعلنت في الوقت المناسب، ووسط اجواء مشحونة لتبث الطمأنينة لدى اللبنانيين.
ولا ننسى أن هذه المواقف تنسجم مع توجهات الرئيس ميشال سليمان، الذي لا تخلو خطبة له إلا ويحث فيها جميع الأطراف الإسراع لإنقاذ الاستحقاقات الدستورية، فدور بكركي كان دائماً حاضراً لينبه للمخاطر التي تُهدّد مصير البلد ولكن على القوى السياسية ان تستجيب لهذه النداءات، كما أن بكركي الحريصة على استقرار جميع اللبنانيين مدعومة أيضاً من الفاتيكان التي عادة ما تبدي توجهاتها للحفاظ على جميع اللبنانيين وعلى وحدة اللبنانيين والمسيحيين، والتي تعمل لإبعاد لبنان عن العواصف في المنطقة.
دور لبنان!!
< أحياناً يضع البعض بكركي في خانة فريق دون آخر بسبب مواقفها؟
– مواقف بكركي والتي يؤكدها دائماً البطريرك الراعي، وطنية خالصة، وهي لم ولن تنحاز لأي فريق سياسي، وترفض أن توضع مواقفها في خانة فريق محدد ضد فريق آخر، فهي عليها ان تتخذ المواقف الوطنية وهذا ما تفعله بصورة مجردة من اي انحياز، فمصلحة لبنان أولاً دائماً عند بكركي، وهي تعمل على احتواء الأزمات وليس تسعيرها وهي على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، فهي صمّام أمان للجميع، كما تحرص دائماً على التفاعل مع المرجعيات الروحية الأخرى لتأمين الاستقرار وتفعيل دور المؤسسات العامة والحفاظ عليها، وللحفاظ على الصيغة اللبنانية ليأخذ لبنان دوره، وهي اليوم تضغط من أجل أن يستعيد لبنان دوره الذي بات مهدداً بسبب الخلافات القائمة.
سلام والاعتدال
< ورد في الوثيقة نص «ان لبنان إما ننجزه معاً أو لا يكون» بتقديرك هل بكركي وضعت خطوط حمراء للمشاركة؟
– ارادت بكركي أن تقول بعد تزايد عوامل الأزمات والتهديد الحاصل للدولة، انه «طفح الكيل»، وأن سقوط الدولة وانهيارها هو خط أحمر، وانه لا يجوز من أجل مقعد وزاري أو حصة لهذا الفريق أو ذاك يتم تعطيل البلد، ودفع اليأس إلى أبنائه، خاصة وان الجميع في مركب واحد، فإن غرق فاننا سنغرق جميعاً، وعلى كافة المسؤولين والقيادات السياسية ان تستوعب ما ورد في الوثيقة وبمسؤولية وصولاً لتحييد لبنان من كل ما يحيط به من شرور وأخطار اقليمية ودولية، ولا ننسى ان إسرائيل مسرورة مما يحصل من تدهور في لبنان، فهي ترى انه النقيض لها من حيث الدور والتعدد، ولذلك هي تعمل وتشجع على الفتنة بين اللبنانيين، فهي ترفض التنوع في لبنان وفي سوريا لأنها تسعى لتكون دولة يهودية، وهي تحارب اللبنانيين في الخارج عبر «اللوبي» الصهيوني سياسياً واقتصادياً.
كما أن الوثيقة ارادت أن تقول للقيادات السياسية المتصارعة على السلطة: ماذا ينفع إذا ربحنا السلطة وخسرنا الوطن؟
كما أرى ان قوى الاعتدال الممثلة بالرؤساء ميشال سليمان ونبيه برّي وتمام سلام وسعد الحريري عليهم أن يستمروا في البحث عن حلول لإنقاذ البلد وتصحيح المسار السياسي، والاسراع بتشكيل حكومة تضم الجميع، وعلى الجميع تسهيل مهمة الرئيس سلام الذي يمثل قمّة الاعتدال.
< برأيك ما هو البديل عن الاعتدال إذا استمرت الضغوط عليه؟
– البديل هو التطرف الذي نرى أعماله البشعة في أكثر من مكان، هذه الأعمال التي لا تقرها الأديان، كما يعني انفراط عقد الدولة.
إعلان بعبدا وتحييد لبنان
< لماذا ركزت الوثيقة على اتفاق الطائف؟
– لأن اتفاق الطائف ما زال صالحاً لتأكيد القواسم المشتركة بين اللبنانيين، ويجب استكماله، كما يجب إلغاء السلبيات منه، كما يجب تنفيذ اللامركزية الادارية الموسعة والعمل على إلغاء الطائفية السياسية.
< برأيك هل ما زال إعلان بعبدا صالحاً خاصة بعد تدخل اللبنانيين في الأحداث السورية؟
– إعلان بعبدا يُشكّل مخرجاً لإبعاد لبنان عن تداعيات الأحداث السورية وغطاؤه تمسك اللبنانيين به، خاصة وأن الأحداث في سوريا باتت تمثل صراعاً دولياً واقليمياً، ولبنان يجب تحييده عن هذه الصراعات، والمساعي يجب أن لا تتوقف عن تنفيذ اعلان بعبدا خاصة وانه صدر بموافقة الجميع. فلبنان بحاجة لوقف العبث السياسي الحاصل والمهدد لاستقرار اللبنانيين، فلبنان على حافة الانهيار، واعلان بعبدا هو الطريق لتحييد لبنان عن الصراعات، كما نأمل ان يحصل توافق بين السوريين ونأمل نجاح مؤتمر جنيف – 2 وهذا ما نتمناه للشعب السوري، فالتفاهم بين النظام السوري والمعارضة المعتدلة بات مطلوباً لإبعاد خطر التطرف.
{ ركزت وثيقة بكركي على حصر السلطة بالمؤسسات الأمنية؟
– لأن بعض الأماكن في لبنان باتت تحت سلطة الميليشيات وقوى الأمر الواقع، فنحن نرفض الامن الذاتي فهذا يُشكّل بداية فرط عقد الدولة، وشاهدنا سلبيات الأمن الذاتي إبان الحرب اللبنانية، وكيف أدّت إلى انهيار مؤسسات الدولة.
الملك عبد الله ودعم الجيش اللبناني
<أشارت الوثيقة إلى المؤسسة العسكرية.. برأيك ما المطلوب لدعم دور الجيش؟
– أولاً يجب تكاتف وتعاون جميع اللبنانيين لدعم الجيش اللبناني، فهو الأمل لحفظ الأمن والاستقرار مع المؤسسات الرسمية الأخرى، فالجيش عماد الوطن فعلاً، وهو لكل اللبنانيين.
وثانياً: نثمن ونقدر الدعم الكبير الذي قدمه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للجيش اللبناني كمؤسسة رسمية، وتقدر بـ3 مليارات دولار، وهذا إن عبّر فهو يعبّر عن الرعاية الدائمة لدى المملكة للبنان واستقرار ودعم مؤسساته الرسمية، ونراها مكرمة كبيرة من الملك عبدالله، فالجيش اللبناني هو صمّام الأمان للبلد.
كما لفت انتباهنا ما أصدره الملك عبد الله من قرارات لمحاربة التطرف والإرهاب، ومعاقبة كل من يذهب للقتال خارج المملكة بالسجن يصل إلى 20 عاماً.
< هل تخشى من أن يطال الفراغ موقع رئاسة الجمهورية؟
– إن تعطيل تشكيل الحكومة لمدة عشرة أشهر يُشير إلى سلبيات يمكن أن تطال أي موقع، فمن يعمل للتعطيل إذا نجح يمكن أن يستمر بنهجه، وهذا لن يتوقف إلا بتوافق جميع اللبنانيين، وبصراحة هناك خشية لدى بكركي من تعطيل الاستحقاق الرئاسي، لذلك على انصار الدولة من نواب وقيادات أن يتعاونوا لوقف مسيرة التعطيل وعدم التلهي بهذا المنصب او المقعد الوزاري. فعلى النواب من مسلمين ومسيحيين ان يذهبوا إلى مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، فهذه الديمقراطية في لبنان، خاصة وأن موقع رئاسة الجمهورية له رمزية وطنية كبيرة، ويمنح الثقة مجدداً بالبلد بعدما باتت مهتزة دولياً.
< أين يقف اليوم وديع الخازن من التجاذب الحاصل بين 8 و14 آذار؟
– مع رفضي الكامل لهذا الصراع الحاصل بين 8 و14 آذار والمهدد للمؤسسات، اقول بأنني متطرف جداً لمصلحة الدولة واستقرار لبنان.