أخذ اللقاء الأرثوذكسي وقته ليدرس مذكرة بكركي وحسم أمره: «المذكرة تشكل مدخلاً للنظام السياسي في لبنان». هذه القراءة الأرثوذكسية سبق أن تكفل نائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي بتسويقها على الساحات الإعلامية بهدف الترسيخ. الى الفرزلي، جلس الامين العام للقاء النائب السابق مروان ابو فاضل وأمين السر سمير نعيمه والأعضاء اميل ديبو وموسى فريجي وابراهيم الخوري، إضافة إلى سام زاخم «السيناتور» الأرثوذكسي الكوراني الذي حرص على مشاركة اللقاء في إطلاق قراءته. عضو مجلس شيوخ سابق وسفير أميركي سابق وأول نائب أرثوذكسي انتُخب في الستينيات محسوباً على اليونان وليس المشرق. ولعل لبّ مهمة اللقاء وأمثاله تكمن هنا في إنعاش ذاكرة من لا يريد ربما ان يتذكر عن أهل الارض وجذروها. ولعله ايضا المنطلق الذي استند اليه اللقاء في قراءته المذكرة البطريركية من مقره في الأشرفية. داعيا القوى السياسية الى ان تنكب على مناقشتها وليس في أروقة طاولة الحوار الوطني التي أثبتت فشلها. وأما المرجعية الضامنة، فتعود، على ما قال الفرزلي، الى المؤسسات الدستورية التي هي «الضامن لترجمتها على الارض فيتجدد بذلك الميثاقُ مؤكدا متانةَ التكامُلِ بين المسيحيّةِ والإسلام في توازنٍ وكِبَر».
لا يختلف مضمون المذكرة عما سبق وطرحه اللقاء، خصوصا في ما يتعلق بمشروع قانون الانتخابات النيابية والمناصفة الفعلية «كركيزة للنظام السياسي والتي تفرض نفسها اليوم في عملية تأليف الحكومة». وهذا مصدر فخر للقاء. ويتوقف ابو فاضل، في تلاوته قراءة اللقاء، عند أهمية صدور المذكرة «في لحظات تاريخية حرجة يمر بها الكيان اللبناني، كما يمر بها المشرق العربي، جراء عواصف سوريا والعراق على أبواب مؤتمرات تسووية قد تأخذ الشرق الاوسط نحو خريطة سياسية جديدة». ورأى اللقاء أن المذكرة «تعيد الاعتبار الى التوازن العقلاني والمجرد الذي من شأنه حفظ النسيج السياسي بعيدا من مبدأ استيلاد مواقع المسيحيين في كنف المذاهب الاخرى بتأكيدها رُسوخِ الدّيموقراطِيّة التّوافقيَّة، بل على ما يمكِنُ تسميتُه بالديموقراطيّة الميثاقيّة».
وتوقف اللقاء عند ما تنبهت اليه المذكرة من «خطورَةِ التَّماهي بين الدّاخل والخارج وبأن أيّ مشروع وطنيٍّ لا يمكِن أن يتجذَّر في الواقعِ إلا إذا أنتجَ دولَةً عادلةً ومنتِجَةً في كيانٍ مستقرٍّ يخدم الإنسان». وهي، برأي اللقاء، «دولَةً مطمئِنَةً للجميعِ في هذا المحيطِ المتلاطِم، والتي وحدَها تجعَلُ من إمكانيّةِ وضعِ استراتيجيَّةٍ دفاعيّةٍ لمواجَهَةِ المخاطِرِ الحيويَّةِ أمرًا ممكنًا، فتسقُطُ حينئذٍ ذرائِعُ القِوى الداخليّةِ المبرَّرَةِ منها وغيرِ المبرَّرَةِ للاستقواءِ بالخارجِ الذي يجِبُ أن لا ننسى بأنَّهُ جزءٌ مِنَ التَّاريخِ اللبنانيّ، والذي تُصِرّ بعضُ القِوى على اعتبارِهِ قَدَرًا لا يمكِنُ الخروجُ منه». والدولةُ المطمئنة، في مفهوم اللقاء، «تعتمِدُ على المناصفةِ بصورةٍ أساسيّة، وقد غدت مبدأً دستوريًّا مكرّسًا في المادتين 24، و95 من الدستور، كما تعتمدُ في الحياةِ السياسيّةِ على إقرار اللامركزيّةِ الإداريّةِ الموسَّعةِ وتطبيقِها بحيثُ تؤمِّنُ إدارةً أفضلَ للتنوُّعِ في الوَحدةِ وتعزِّزُ المشاركَةَ المحليّة، وتعطي المناطقَ صلاحياتٍ أوسع»، كما أوصتْ مذكّرةُ بكركي، وهما الشرطان الأساسيان لإلغاءِ الطائفيَّةِ السياسيَّةِ في أوانِ الرِّضى الداخليّ.
وتلاقى اللقاء مع ما ذكرته المذكرة حول «تهميش الدورِ المسيحيِّ في خصوصيّةِ النِّظامِ اللبنانيِ بفرادَتِه وأبعادِه التّشاركيّة. فالغايَةُ أن لا تتحوَّلَ الشراكةُ إلى شِركٍ بدلاً من أن تكونَ مشاركَةً، وقد ارتُكِبت باسمِها أكثرُ من معصيةٍ، لا سيّما في معرِضِ إناطَةِ السُّلطةِ الإجرائيَّةِ بمجلسِ الوزراءِ مجتمعًا بعد انتزاعِها من رئيسِ الجمهوريَّة. فالمشاركةُ الفعليّةُ في صناعةِ القرارِ الوطنيِّ تفترضُ حتمًا رئيسًا قادرًا للجمهوريّةِ بمعاييرَ تمثّلُ المكوِّنَ الذي ينتمي إليه». كما التقيا حول «ضرورةِ انتخابِ رئيسٍ جديدٍ للجمهوريّةِ كرئيسٍ للدولَةِ وحامٍ للدستور من ضمنِ المُهلةِ المحدَّدةِ دستوريًّا وخارجَ أيِّ جدلٍ دستوريٍّ، وهو الشرطُ الأساسُ الذي من دونِه لا حضورَ للدولةِ ولا انطلاقَ نحو المستقبل».
وتوقف اللقاء عند مفهومَي الحيادِ والتَّحييدِ وربطِ الحركةِ الميثاقيّةِ بهما. فقال ابو فاضل: «لعلّنا وفي سياق قراءتنا للمذكّرة قد نقعُ في التباسٍ نشأ من مزجٍ ضبابيٍّ بين الحيادِ والتحييدِ كمفردتين تمتلكُ كلُّ واحدةٍ منها خصوصيَّةً سياسيَّةً مختلفةً عن الأخرى. ذلك أنَّ التاريخَ اللبناني المعاصِر، ومنذ نشوءِ قضيّةِ فلسطين سنة 1948، والدخولِ في مضمونِ الصِّراعِ العربيّ – الإسرائيليّ ليس حياديًّا». وأضاف: «هذا هو الإطار الحيّ الذي يبقينا على إخلاصِنا للقضيّةِ الفلسطينيّةِ، ويجعلُ التحييدَ فلسفةً مرتبطِةً باستراتيجيَّةٍ دفاعيَّةٍ فعَّالَةٍ تقومُ على ردعِ اعتداءاتِ إسرائيل وأطماعِها كافّةً وعلى حمايةِ لبنان من كلّ المخاطِرِ، ومنها خطرُ الإرهابِ المتطرّفِ الذي أمسى واقعًا جديدًا يهدِّدُ كيانَنا ووجودَنا».