في الذكرى التاسعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، ألقى وزير العدل السابق شارل رزق كلمة خلال الإحتفال الذي أقامته قوى 14 أذار في مجمع البيال جاء فيها:
“الرابع عشر من شباط ليس ذكرى إستشهاد لبنانيّ كبير وحسب، بل هو ذكرى محاولة القضاء على رؤية حملها وشرع في وضعها موضع التنفيذ. فبعد إعادة بناء العاصمة وإصلاﺡ وتطوير البنى التحتية التي دمرتها الحرب، عمل رفيق الحريري على بناء الدولة بمؤسَّساتها سعياً إلى تأمين استقلالها، ذلك لأنه أدرك أنّ سبب انهيار الدولة اللبنانية ليس الحرب التي اندلعت في العام 1975، بل على العكس إنّ غياب الدولة هو الذي كان سبب الحرب، لأنّ عجزنا عن التوﺣُّد وﺇمعاننا في التشرذم الطائفي، واستعانة كلّ فريق بمرجع خارجيّ يستقوي به هو الذي أفقدنا السيادة وأوقعنا تحت الوصاية”.
وقال: “بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إستمرّ أعداؤه يحاولون بإصرار القضاء على الرٶية التي حملها، من هنا سعيهم الدٶوب للحؤول دون قيام المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان، لأنهم وعوا أنّ مهمتّها لا تقتصر على محاكمة الفاعلين، بل تتعداها إلى إعادة ثقافة العدل الغائبة عن لبنان منذ زمنٍ طويل”.
ولفت إلى أنه “صحيح أن قرار المحكمة الدولية الناظرة في اغتيال الرئيس الحريري سيكون غيابياً لعدم تسليم المراجع الأمنية والقضائية اللبنانية المتهمين لأسباب يعلمها الله. لكن لجوء هؤلاء إلى الفرار لن يغيّر في الأمر كثيراً. ٳذ ما يطلبه الناس يفوق الإقتصاص من الأفراد والإنتقام منهم. ما يطلبه الناس هو كشف الحقيقة والحقيقة تحرر من الخوف وبالتالي من الظلم ومن الإستبداد”.
وزاد: “لم تكن المحكمة أبداً لتهميش القضاء اللبناني ومنعه من القيام بدوره، فهو مهمَّش أصلاً بدليل عدم قدرته على النظر في الجرائم الكبيرة التي سبقت استشهاد الرئيس الحريري وأتّت بعده. بل قامت المحكمة لتمهيد الطريق أمام القضاء اللبناني ليقوم بدوره مجدّداً ولمواكبة نهضته وإعادة تأهليه ليكون اللبِنَةَ الأولى في بنيان الدولة التي أرادها الحريري”.
واسترسل: “فإذا كان القضاء كمؤسّسة يعاني من الوهن، إلا أنّه لا يخلو من الكفاءات الكبيرة بين قضاته، بدليل أنّه جرى تطعيم المحكمة الدولية بعدد منهم اعترافاً بذلك. لكن ماذا يستطيع القاضي أن يفعل إن لم تؤمّن الدولة للمؤسسة القضائية ككلَّ العناية والحماية؟ فجاء افتتاح أعمال المحكمة الدولية ليذكّر جميع اللبنانيين، شعباً وحكاماً وقضاة، بالهيبة والوقار اللَّذَيْن يجب أن تحاط بهما المحاكم والتي لا بدّ لها من أن تعود إلينا يوماً بعودة لبنان رفيق الحريري. وكأنّ قدره أن تكون المؤسسة القضائية التي قامت بسبب استشهاده أوّل ردٍّ على الذين حاولوا وقف مسيرته بعد استشهاده، والبرهان الساطع على أنّ هذه المسيرة لم تتوقف”.
أضاف: “يذكّرنا الرئيس الحريري باستشهاده بأنّ لا خيار لنا سوى بناء الدولة التي نذر حياته لها، وهو خيار لا يحتمل التأجيل، ٳذا أردنا أن نحمي لبنان من الإضطرابات الحاصلة حولنا ومن الأنواء العاصفة المحدقة بنا”.
وأردف: “لم يبلغ العنف يوماً الدرجة التي بلغها في الشرق الأوسط من سوريا إلى العراق إلى مصر، ناهيك عن المأساةِ التي تعيشها فلسطين منذ عقود، وهو يجتازُ حدودَنا ويتسلَّلُ إلى أحيائِنا، ولا دولةَ تردعُه وتحمي الأرضَ وتثبِّتُ المواطنين فيها، وتمنعهم من الإلتحاقِ بهذا الطرفِ الإقليمي أو ذاك، ومن الإنضمامِ إلى مقاتليه. فهي غائبةٌ وتكتفي بأن تتلقى من بعيد أخبارَ المؤتمراتِ والمفاوضاتِ التي تعقدُ هنا وهناك، وتنتظرُ مكتوفَةَ الأيدي القراراتِ التي سوف تحدّدُ مصيرَها دون استشارتِها”.
وتساءل: “كيف يكون غيرَ ذلك والعالمُ يشهُد الخفةَ التي يتعامل بها مجتمعُنا السياسي مع الشأنِ العام، فيماطل شهوراً منتظراً الإشارات الخارجية المألوفة لتأليف حكومةٍ تناتشُ المستوزرون حقائَبها التي وصفوها بالسيادية، غافلين عن كونِ لبنان فقد سيادتَه الوطنيةَ منذ عشراتِ السنين، وعينُهم على المناقصات الجاهزة، وما أدراك ما يترتب عنها في الخفاء بعد التوقيع؟ كيف يكون غير ذلك والوزراء يتبادلون على التلفزيونات الإتهامات بالإختلاس والتعدي على الأملاك العامة، واللبنانيون المذهولون المقهورون يكتفون بالتفرج”؟
وأشار إلى أنه “بعد ستّ سنوات من اليوم يحتفل لبنان بمرور مائة عام على إعلان لبنان الكبير، يوم جُمعت طوائفنا في بوتقة واحدة على أمل أن تنصهر فيها وتبني دولة. كان ذلك عام 1920”.
وأوضح رزق ان “قرناً مرّ على هذا الإعلان و طوائفنا لا تزال هي هي، لا بل اشتدّ تمسّكنا بها وتعصبّنا لها. أما الدولة فلا تزال أملاً”، خاتماً بالقول: “حمل رفيق الحريري هذا الأمل وشرع في تحقيقه، وهو باستشهاده يدعونا إلى إكمال الطريق. فهل نسمعُ الدُعاء”؟