شطب المذهب من “النفوس” والزواج المدني: ممارسات خاطئة ومواجهة

أنهت وزارة الداخلية والبلديات دراسة ستة عقود زواج مدني، فتمّ تسجيلها في دوائر النفوس. ليكون بذلك قد تمّ البت بعقود الزواج الإثني عشر التي عُقدت على الأراضي اللبنانية، بما فيها زواج خلود سكرية ونضال درويش الذي أقرّ في نيسان 2013.

واحتفل بالأمس الناشطون المدنيون بخطوة جهدوا من أجل إرسائها في المجتمع اللبناني، خصوصاً بعد ما أسموه “مماطلة متعمّدة” لعدم انتشار الظاهرة وتحوّلها إلى واقع أو خيار بديل يمكن أن يلجأ إليه أي لبناني شطب الإشارة إلى مذهبه من سجلات قيده. وهي خطوة لا بدّ من أن تشجّع الذين ينوون الزواج مدنيّاً، وتحثّهم على عقده في لبنان.

قبل أيام كان أنطوان مخايل يخطط وخطيبته منال للزواج في قبرص، وهو شاطب للإشارة إلى مذهبه. قال: “ما بدّي وجع راس. ينتظرون طويلاً قبل تسجيل زواجهم ويرجئون إنجاب الأطفال لربما قررت الوزارة عدم تسجيله لسبب أو لآخر. هذا حقي بالزواج مدنياً، وإذا كانت الدولة اللبنانية تمننني بهذا الحق، آخذه من دولة أخرى من دون منّة”.

يقول أنطوان ما يقوله بعد معاناة طويلة مع دائرة النفوس حيث سجلّه، والمدرسة التي أراد التعليم فيها والتي رفضته لأنه شاطب الإشارة إلى المذهب. يشير إلى أن قصّته تشبه قصص كثيرين من شاطبي الإشارة، “فإذا سهّل مأمور النفوس أمره، يواجه صعوبة في التوظيف، وإذا تم توظيفه سيصعب عليه الزواج أو الإرث أو حتى الطلاق حتى ولو كان زواجه دينياً”. يدّعم رأيه بكثير من الأمثلة، منها الشاب الذي رفضه سلك عسكري، وعدم تمكن آخر من وراثة أبيه لأنهما شطبا الإشارة إلى مذهبيهما.

إحباط

الإحباط نفسه طال ليلى، الشابة التي شطبت الإشارة إلى مذهبها بسهولة تامة. وقد وافقت على الزواج من حبيبها كنسياً، كما وافق كاهن رعية الزوج على تزويجها في الكنيسة بالاستناد إلى إخراج قيدها الذي لا يحمل إشارة إلى مذهبها. تمت المراسم بحضور عدد كبير من المدعوين، ثم حمل الزوجان ورقة الزواج لتسجيلها في دائرة النفوس. حملت ليلى معها قرار وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود، الذي يجيز شطب الإشارة إلى المذهب ويفيد بتسهيل معاملات الشاطبين، لكن مأمور النفوس أبى تسجيلها وردّها للمطابقة مع سجل النفوس في مكان ولادة ليلى. بعد إتمام المطابقة عادت إلى مأمور النفوس ومعها الأوراق الصحيحة والمختومة من المعنيين، لكنه أبى تسجيل زواجها مرة أخرى. تروي أنها سألته عن السبب فردّ “ما بيخصّك”، وأنها صرفت أشهراً للتمكن من تسجيل زواجها من دون جدوى. كان مختار البلدة وكاهن الرعية ينصحانها بالزواج مرة ثانية، ولكن مدنياً، فيكون أسهل عليها تسجيل زواجها. في البداية أرادت مقاومة مأمور النفوس حتى نيل حقّها، لكن “بعدما قلل من احترامي في مكتبه مزّقت الأوراق وكأن زواجها لم يكن”. استبدلت ليلى أوراق زواجها الكنسي بتأشيرة وتذكرتي سفر إلى قبرص حيث تزوّجت “وزوجها” مرّة ثانية مدنياً. وكان قد مرّ على زواجهما الأول نحو سنة.

بعد ما عانته ليلى جرّاء تسجيل زواجها الكنسي، وهي شاطبة الإشارة إلى المذهب، لم تفكّر في عقد زواجها المدني في لبنان “لأني ما عدت أقوى على مواجهة الطائفيين أو حتى الانتظار لنيل أبسط الحقوق”.

على أثر تسجيل الزيجات الست عدل أنطوان عن قراره وبدأ التفكير جدياً في الزواج مدنياً في لبنان، “يبدو أننا بتنا على السكة الصحيحة”، قال.

يصرّ الناشطون في المجال المدني على أن الممارسات الخاطئة التي تصدر عن بعض موظفي الدولة، من مأموري نفوس وكتاب بالعدل أو غيرهم من المعنيين، يمكن مواجهتها “بسهولة” بالاحتكام إلى القانون.

يعتبر الكاتب بالعدل جوزف بشارة أن مسألة الزواج المدني أضحت مكرّسة في لبنان. ويشير إلى أن هناك فئة واسعة من المواطنين شطبت الإشارة إلى المذهب، وأن من بينهم من يستفسر بجدّية عن عقد الزواج المدني في لبنان. وبالنسبة إليه ما عاد هناك من معوقات يمكن أن تقف في وجه أي زوجين، لأن الحلول تأتي من القانون، وإن لم تأتِ من القانون فهناك مجال أمام القاضي للاجتهاد، “وقبل هذا هناك الدستور والمواثيق الدولية التي تتقدم على أي قانون، وهي جميعها تراعي مبدأ مساواة المرأة بالرجل وتضمن حقوق الطفل بشكل أساس”.

ويلفت بشارة إلى أن عقد الزواج مدنياً في لبنان بين زوجين من طوائف مختلفة يمكن أن يحلّ مشكلة الإرث بينهما لأن شاطب الإشارة إلى المذهب يمكن أن يورّث زوجته وأبناءه على حدّ سواء.

تذليل العقبات

 لا ترى المحامية نايلة جعجع أن النضال في سبيل الزواج المدني كخيار بديل لكل اللبنانيين قد انتهى. وتلفت إلى أن القرار بالزواج مدنياً في لبنان أو شطب الإشارة إلى المذهب ليس بالأمر السهل في بلد توغلت الطائفية إلى كل ما فيه من بشر وحجر، “لكن، في المقابل، بات لدينا قوانين وقرارات يمكن أن تقف في وجه أي موظف أو مسؤول ينوي عرقلة شاطب للإشارة أو أي ثنائي ينوي الزواج مدنياً”. وتؤكد أن الحالات التي رصدها الإعلام، والتي عانت بسبب شطبها للإشارة إلى مذهبها سواء لناحية التوظيف أو لناحية التسجيل لدى مأمور النفوس أو غيرها من المسائل لها حلولها. فتشير على السبيل المثال لا الحصر، أنه في حالة ليلى كان يكفي منها أن تطلب من مأمور النفوس الذي رفض تسجيل زواجها تعليلاً خطياً لرفضه، كي يعود عن قراره لأنه غير قانوني ومناقض لقرار وزارة الداخلية.

أما في شأن التهويل من عدم الحصول على الوظائف، ولا سيما تلك العائدة إلى القطاع العام فتعتبر جعجع أن المحاصصة في التوظيف يمكن أن تُفقد حتى المحتفظ بالإشارة إلى المذهب وظيفته، إذا لم يحمل الوساطة المطلوبة مع طلب التوظيف، “إذاً هي ليست حالة خاصة لشاطبي الإشارة، علماً أن رئيس مجلس الخدمة المدنية خالد قباني كان واضحاً في شأن عدم تأثير شطب الإشارة إلى المذهب على موضوع التوظيف”.

لا يعرف الناشطون في المجال أعداد اللبنانيين الذين شطبوا الإشارة إلى طوائفهم، لكن الناشط في “اتحاد الشباب الديموقراطي” عربي العنداري يشير إلى أن آخر لوائح شطب أظهرت وجود نحو 15 ألف مواطن من دون الإشارة إلى المذهب، وعند الاستيضاح عن الرقم تبيّن أن من بينهم من سقطت الإشارة إلى مذهبهم سهواً، بينما يعاني آخرون من مشاكل بسبب انتقالهم من دين إلى آخر أو من مذهب إلى آخر. ويقدّر العنداري عدد شاطبي الإشارة إلى المذهب بنحو ألفين، منذ انطلاق حملة الشطب. وهو على غرار جعجع، يؤكد أنه “إذا كان كلٌ يغني على ليلاه على صعيد الإدارة، فإن القانون بمواده الموجودة يحمي حقوق كل مقبل على الخطوة”.

يلفت المحامي باسل عبد الله من “تيار المجتمع المدني” إلى أن شطب الإشارة إلى المذهب لا يعني التخلّي عن الدين، “بل يعني أن المواطن يريد من الدولة أن تعامله كمواطن وليس كابن لهذه الطائفة أو تلك”. ويعترف أنه لم يُبذل جهد كاف في هذه الحملة التي من شأنها أن تبدّل في المنظومة الطائفية للبلد في حال جمعت عدداً كبيراً من المواطنين. مع ذلك، يرى، أن الأمور بدأت تسلك مسارها الصحيح، وأن العقبات بدأت تذلل في حالات الزواج والتوظيف وحتى الإرث وتحرير التركات والوصية، وفي إمكان شاطبي الإشارة أن يتبعوا قانون الإرث لغير المحمديين، وهو قانون مدني يتبعه المسيحيون.

هنا، تلفت جعجع إلى أن شاطب الإشارة إلى المذهب يمكن أن يرث من أب مسلم بإعلان إشهاره لدى المحاكم الشرعية لأن أساس اتباع الإسلام هو إعلان الإشهار وليس الإشارة إلى المذهب على سجل النفوس.

يعوّل الناشطون في مجال شطب الإشارة إلى المذهب والزواج المدني على جمع أعداد كبيرة من المواطنين، حتى تتحوّل المدنية إلى قاعدة لا استثناء. وهم بالنتائج التي حصدوها إلى الآن يعتبرون أنهم بدأوا “بنخر” النظام الطائفي وخلخلته.

المصدر:
السفير

خبر عاجل