لم ينقص المغتربين اللبنانيين في أربع رياح الأرض إلا نقل الخلافات الداخلية إلى الخارج و”المطعمة” بـ”مائدة” من الأطباق السياسية والطائفية والمناطقية.
يبرع هؤلاء على مستوى أفراد ويحلّقون في غير قطاع، أما إذا التقوا، فسرعان ما تحضر في مجالسهم سجالات 8 و14 آذار وسياسة الزواريب والدفاع عن هذا الزعيم أو ذاك. هذا الحكم لا يعمم على الجميع، لأن ثمة وجوهاً اغترابية تحمل عن حق أوجاع المواطنين وترفع أسم لبنان وتستحق بجدارة أن تضع الأرزة على صدورها.
تعمل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم على متابعة أوضاع المغتربين بثلاثة أجنحة، وجسمها مشطور بين أ هواء هذه الجهة أو تلك، وكثيرون في لبنان لا ينظرون الى المغتربين إلا على قاعدة “البقرة الحلوب” التي تدر ذهباً وأموالاً تغطي العجز المادي لدى كمّ من العائلات وحاجات أبناء وطن في الداخل. وفي مواسم الانتخابات يبدأ الغزل بهذه الجاليات، وصولاً الى المقيمين في البحر الكاريبي، وإذا ما انتهت الانتخابات أو حصل تمديد تناسى المعنيون هذا الملف.
و”تعيش” الجامعة بثلاثة أجنحة، برئاسة كل من أحمد ناصر وميشال الدويهي وألبر متى، وهم ليسوا على نفس المستوى من العلاقة مع مديرية المغتربين التابعة وزارة الخارجية، ويتهم جناح (الدويهي) الأخيرة بالتحيّز ودعم جهة لبنانية اغترابية على حساب أخرى وتأييد وجوه معينة في الجامعة.
ويبدو أن المحاولة التي عمل عليها رئيس الجمهورية ميشال سليمان لتوحيد الجامعة لم تصل الى النتائج المرجوة.
يقول الأمين العام للجامعة (الدويهي) طوني قديسي “عقدنا اجتماعات عدة بطلب من الرئيس سليمان للتوصل الى توحيد الجامعة، ولم يمش الحال ورغم اعتراضنا على سياسة وزارة الخارجية حيالنا، فإن الاتصالات مفتوحة مع المدير العام للمغتربين هيثم جمعة والعلاقات جيدة على المستوى الشخصي وحصل أخيراً اتصال بين السيدين ميشال الدويهي وأحمد ناصر”.
ويلتقي الامين العام للجامعة جناح (ناصر) بيتر الأشقر مع قدسي على “ضرورة توحيد الجامعة والعمل برأس واحد، وهذا هو طموحنا بغية إبعاد هذه المؤسسة الوطنية – الاغترابية من الأزمات الطائفية والمذهبية والمناطقية التي يمر بها لبنان. والسيد جمعة منفتح على الجميع، ولا يقفل الأبواب في وجه أحد. وإن كنا نشدد على تعاطي الوزارة مع الجامعة الشرعية التي نمثلها”.
ويعزو فشل الحوار لتوحيد الجامعة “الى مناقشة القشور وعدم الدخول في لب الازمة.
وكان هناك رفض متبادل من الطرفين ولم يؤد الى تنازل، علما انني كنت تمنيت على رئيس الجمهورية ان يعين رئيسا للجامعة آنذاك ويكون الحكم بين الجميع”.
من جهته يقول جمعة لـ”النهار”: ان ابواب المديرية مفتوحة امام الجميع “ونحن لا نميز بين مغترب وآخر بغية المحافظة على علاقته وارتباطه بوطنه الأم، رغم كل التحديات والاخطار التي نعيشها في البلد”.
ويرد جمعة على الذين يتهمون المديرية بأنها تعمل الى جانب فريق من المغتربين ضد آخرين: “هذا الانحياز الذي يتحدث عنه البعض غير موجود، انا موظف عند الدولة وأقوم بالواجبات المطلوبة مني، ولا اميز بين مواطن وآخر، واستقبل الجميع واعمالهم على قدر واحد من المساواة”.
وردا على محاباته احد فروع هذه الجامعة المنقسمة، يرد جمعة: “ثمة قانون في وزارة الخارجية يحكم عمل الجامعة ويحدد قواعد العلاقة والعمل معها، ونحن لا نتطلع الى اشخاص، وتربطني علاقات مع الجميع وأبواب المديرية مشرعة امامهم”.
ومن ملاحظات قدسي على وزارة الخارجية “والتي لا تشجع على التوحيد هي ارسالها في اوائل السنة الجارية مذكرة الى السفارات والقنصليات في الخارج تدعو الجسم الديبلوماسي الى التعاطي مع احمد ناصر ومجموعته وعدم اجراء اي اتصال مع الآخرين، علما ان الجميع يعرف ان فروع جامعتنا هي الممثل الاكبر للمغتربين في بلدان الانتشار”.
إلى بيونس آيرس
يوضح قدسي ان “جامعته” تعمل بانتظام وهي تحضّر لمؤتمر اغترابي في بيونس آيرس لانتخاب مجلس جديد في 21 و22 و23 آذار المقبل.
في المقابل يسبق انعقاد هذا المؤتمر بأيام قيام وفد من الجامعة التي يقودها ناصر بجولة على المغتربين في غير ولاية في الارجنتين والبرازيل “ونحن هنا لا نطوق انتخابات الآخرين انما هدفنا هو التواصل مع المغتربين والوقوف على مطالبهم”. وفق قول الاشقر.
ويضيف “انا انطلق من منطلقات علمانية وليس من خلفيات طائفية، وان كنت في الوقت عينه احرص على المحافظة على المسيحيين في الداخل والخارج، وهذا ما نسعى الى تثبيته على الارض. وسنركز في جولتنا المقبلة على هذه النقطة”.
هذا الانقسام الحاصل في جسم الجامعة هل سيؤدي الى المزيد من الانشطار؟
يرد قدسي “انا لست متشائما رغم اني انقل الى رئيس الجمهورية كل ما يتخذ من سياسات لا تصب في مصلحة المغتربين، لاننا لا نزال نطمح الى خلق لوبي لبناني قوي وفعال يخدم مصالح المغتربين، ودعوتي الى وزارة الخراجية لعدم احتكار موضوع الاغتراب، وان كنا لا نرفض التنسيق معها”. كذلك يدعو الأشقر سائر القوى السياسية المعنية الى “عدم ادخال الازمات الداخلية في ملفات الاغتراب، علما اننا نحاول الانفتاح على الفريق الآخر ولا يبادلنا الا بالمقاطعة، لكننا سنستمر في مساعي التوحيد والجمع”.
على هذا الانقسام في الجامعة يرد جمعة: “نحن ندعو جميع المعنيين بالاغتراب والغيارى على مصلحة الجامعة الى منع حال الانقسام والتشرذم. وحصلت اخيرا اتصالات بين وجوه في الجامعة لا تلتقي في ما بينها، وبتشجيع مني سأكون في مقدم المسرورين عندما تتوحد الجامعة في جسم واحد ما يصب في مصلحة جميع اللبنانيين بغض النظر عن توجهاتهم السياسية”.
وينفي تدخل المديرية في الشؤون الداخلية للجامعة “التي ينبغي ان تحصر عملها في المسائل الانسانية والاجتماعية وليس في السياسة، وعندما التقي ممثليها، فضلا عن وجوه اغترابية اخرى تعمل خارجها، لا اقاطع احدا سواء كان في 8 او 14 آذار وهذا ما تثبته لقاءاتي بهم في الخارج”.
وردا على شخصيات في الجامعة تتناول القضايا السياسية، يقول: “لماذا يتدخل البعض لدى مجلس الامن ويطالب بتطبيق القرار 1559 على سبيل المثال بدل التفرغ لشؤون المغتربين وترك هذا الامر للدولة والافرقاء السياسيين في البلد سواء كانوا في السلطة او خارجها؟ وتنطلق اهداف الجامعة في الاصل من ثوابت اهدافها وهي غير سياسية ودينية وعنصرية، والمطلوب هو الاصلاح من تحت الى فوق في الجامعة”.
ويدعو جميع المغتربين الى التواصل مع الموقع الالكتروني للمديرية الذي اشرف على وضعه وموله المركز الدولي لسياسات الهجرة في الاتحاد الاوروبي وتشرف عليه تقنيا وزارة التنمية الادارية.