اغرب ما تسجله التطورات الحكومية حالياً على الساحة الداخلية انقلاب الوقائع تبعاً لانقلاب المفاهيم.
ففي العادة تكون او لا تكون الدولة في مهب العواصف، ولكن يبقى هناك نظام ودستور يتحكمان الى حد كبير باحتمالات حدوث انزلاقات من هنا وازمات من هناك.
اما في ظل الوضع الحالي الذي نعيشه، فإن الدولة باتت مشروعاً مشكوكاً بأمره لدى شريحة من اللبنانيين وعلى رأسهم “حزب الله” – لأن هذه الشريحة بنت لنفسها دولتها بسياساتها الخارجية المستقلة وقرارت الحرب والسلم – بحيث بات الدستور والنظام برمتهما في مهب تلك الانفصامية “الدولتية”.
دولة اصبحت فيها ارادة فريق سياسي قادرة على تعطيل الدستور وتهديد النظام، وعلى احباط السير الطبيعي والدستوري للمؤسسات والانتظام في المرافق العامة.
دولة باتت ملازاً امناً لفريق لبناني على حساب اخر، فتقوى حيث يريده الفريق ان تقوى وتضعف حيث لا قبل لهذا الفريق على رؤيتها فاعلة…
دولة كثرت فيها الانشقاقات في نهجها وخطها وتخطيطها: فرئيس جمهورية ومجلس وزراء يقرر الحياد والنأي بالنفس ووزراء يغطون خروج فريق في الحكومة عن اجماع حكومي ومن ثم وطني في التدخل والاصطفاف في لعبة محاور اقليمية ودولية…
دولة كثرت فيها الاجتهادات حول نفسها ودورها ومهامها… فإنفصم فريقها وانقسم على نفسه وانقسمت معه بعض اجهزتها وبعض مؤسساتها بين من يعصي اوامرها وقراراتها ومن يجهد في البحث عن دستورية وشرعية لها العصيان كما هو الحال مع رئيس مجلس النواب ووزير الخارجية عدنان منصور…
دولة لا يابه بعض من فيها من فرقاء اعضاء في حكومتها – “المصروفة من الاعمال” والمتولية “تصريف اعمال الذبح والتقاتل في سوريا” – برأي رأسها المسؤول الدستوري الاول عن حماية الدستور والقوانين والنظام والسيادة فيها نعني رئاسة الجمهورية…
دولة لم يعد القانون الا استنساباً بما يرضي فريق على حساب آخر… في الامن والقضاء… فتنشط عمليات الحسم في مناطق بينما تتلاشى في مناطق اخرى… وبأحسن الحالات “تتنمق” كي لا تغضب قوى الامر الواقع المسيطرة على مفاصلها…
هكذا دولة الدستور منها براء … والنظام بمرتكزاته منذ العام 1948 ومروراً بوثيقة الطائف ودستورها منها ايضا براء…
كم بلغ عقمنا حد العجز عن تشكيل حكومة فاعلة وقادرة ومنقذة للوطن… فحتى الانقاذ بات متعسراً…
كم بلغ عقمنا حد ان يكفي رأي واحد مخالف لتعطيل مسيرة شعب ودولة ونمو وارتقاء…
كم بلغ عقمنا حد توقف مصير وطن وامة على حقيبة من هنا واخرى من هناك…
رضي القتيل ولم يرض القاتل الى الآن…
دستور ونظام في مهب دولة السلاح ومحاسيب السلاح…
جمهورية موز لا معايير فيها ولا ضوابط… تسترخص كل المحرمات وتستبيح المقدسات والثوابت الوطنية التي لطالما قام عليها الوطن اللبناني الفريد بصيغته…
فالدستور لم يكتب للاحزاب بل للعائلات الروحية وسر النكبة التي نعيشها اليوم تحول بعض الطوائف والمذاهب الى احزاب تسيطر على قرارها وتتبعها لمصالحها واهوائها واجنداتها الخارجية…
في العادة نقول ان الدول تكون في مهب العواصف والرياح العاتية…
لكن في لبنان بات الدستور والنظام في مهب دولة فاشلة ورياح الاستئثار والسطو المسلح ومصادرة المسار والمصير الى حيث لا تحمد العاقبة…
