يبدأ اللبنانيون اليوم مرحلة جديدة من حياتهم الوطنية بعد طول انتظار لعودة أهل السياسة بالإهتمام بقضايا الناس وهمومهم، ولقد عاش اللبنانيون في الأسابيع الماضية حالاً من الأمل والإضطراب والضّياع نتيجة للتّحوّلات التي أعطت دعماً كبيراً لإمكانية قيام حكومة شراكة وطنية بعد طول انتظار، تردّد اللبنانيون كثيراً في المراهنة على هذا التّحوّل ولم يبنوا عليه آمالاً كبار، إلاّ أنّنا نؤكّد بأنّهم جميعاً كانوا يريدون الخروج من هذا المأزق العميق الذي سيطر على حياتنا الوطنية منذ ثلاث سنوات مع الحكومة المستقيلة والسّعي لحكومة بديلة، وإنّ هذا القلق والتّردد له ما يبرّره نتيجة لتسع سنوات طوال عاشها اللبنانيون مع التّقلّبات والإنقسامات والإنهيارات على كلّ المستويات، ولكن من المؤكّد أنّ الطبقة السياسية لا تستطيع أن تقف في وجه الإرادة الوطنية الشجاعة التي دعت إلى تشكيل حكومة جامعة وهذا ما سيكون،
قد تقع أحداث عظام تطبع الزمان بماهيتها ويتداخل الحدث مع الزمان والمكان الذي وقع فيه الحدث لدى الشعوب والأفراد كأن نقول يوم انتصرنا أو يوم إنهزمنا، إلى ما هنالك من أيامٍ تتحكم باتجاهاتنا ونجاحاتنا وفشلنا، وسعادتنا وأحزاننا، وتقدمنا ونكبتنا، وبذلك قد يصبح اليوم عاماً أو دهراً أو قدراً، وما لم نفهم هذه العلاقة لوجودنا بالزمن وكثافة الأزمنة في اللحظة الواحدة لا يمكننا أن ندرك واقعنا وأزماتنا وعثراتنا وتحدياتنا، وحقيقة الأحداث التي تقع عندنا وعلاقتها بأزمنة أخرى خارجنا ومتداخلة بواقعنا ووجودنا بالزمن ونحن لا نتحدث عن أمور عميقة من بطون أمهات الكتب والفلسفة، إنما نستحضر سنيناً طوال من القهر والعذاب والدمار عَرِف فيها اللبنانيون هذه المعادلة وبأغلى الأثمان منذ أن تأسّس لبنان وقبل أن يتأسس لبنان، وكلّ هذه المقدمة فقط لنسأل عن ماهية 14 شباط 2005 في حياة لبنان واللبنانيين.
أقدّر كثيراً كل الأطروحات والتشكيلات التي عرفناها منذ 14 شباط 2005 حتى الآن، حباً وكراهية، وإصطفافاً وإنقساماً، وحزناً وفرحاً، وأحزاباً وتجمعات، وشخصيات وزعامات وسياسات وحكومات، وكلها أطروحات وتشكيلات حقيقة بما هي أجزاء متناثرة في مشهد يوم 14 شباط 2005، إلاّ أن ما لا أوافق عليه في تلك الأطروحات والحيويّات هو إعتقاد هؤلاء، كلّ هؤلاء.. بأنّ الزمان قد إستمر بالإنسياب بعد 14 شباط، وأنّ اليوم التالي كان 15 شباط 2005 بكل ما تلاه من فعاليات واحتشاد وانتظام للحياة السّياسية على مرتكزين زمنيين آذاريين، أي الشهر الذي تلا.. وما شاهدناه من أحداثٍ وحروبٍ وإعتصاماتٍ واشتباكاتٍ وحكوماتٍ وانسحاباتٍ وتفاهماتٍ ومبادراتٍ وانتخاباتٍ، ووجوه جديدة، وعودة من المنفى وخروج من الإعتقال.. وكلّ تلك الايام والشهور والسنوات لم تكن إلاّ ثوانٍ أو دقائق من يوم واحد هو 14 شباط 2005 والذي إستمرّ تسع سنوات حتى السابع عشر من كانون الثاني 2014..
مع الإحترام الشديد للخطابات والمواقف، والصّقور والحمائم، وكلّ ما رأيناه وسمعناه وقرأناه وعايشناه، لم يكن أكثر من محاولة للإجابة على سؤال «الحقيقة» الذي أراده الناس وهو «من قَتَل»؟، نعم، لقد انتهى يوم 14 شباط 2005 وبلغنا فجر اليوم التالي في 17 كانون الثاني من لاهاي، ليبدأ يومٌ جديد وسؤالٌ جديد وهو :«لماذا قتل»؟، وما هي كلفة الإغتيال على البلاد والعباد ؟.. أي السؤال عن الحقيقة الأكثر مرارة وهو كيف ننقذ البلاد.. ونرحم الأجيال القادمة من أعباء الدمار الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والتربوي والوطني والإنساني؟.. بالإضافة إلى ما انخرطنا به واستدعيناه من مآسٍ وويلات، ومن دماء وتفجيرات وإرهابٍ، ولجوء فوق اللجوء، وفوق الضعف والإنقسام،
لقد كان 14 شباط 2005 يوماً طويلاً من حياة اللبنانيين، وأكلافه كبيرة على الدولة والمجتمع والفرد والكيان، والمجموعات الدينية والسياسية على حدّ سواء، لأنّها تعيش حال من الإنكشاف والوهن أمام حاجات اللبنانيين جميعاً، مناطقاً وطوائفاً وأفراداً وأحزاب، إذ أنّنا نعيش في الألفية الثالثة ونلبس ثيابها ونتفاعل بتقنياتها لنلبّي حاجات سيدنا آدم عليه السلام نبحث فقط عن المأكل والأمان.
نستطيع أن نؤكد بأنّنا جميعاً خاسرون في 14 شباط 2005، لا بل ربما الأجيال القادمة سينالها بعض الخسارة وربما يكون الذين إعتقدوا بأنّهم ربحوا في ذلك اليوم الحزين وما أكثرهم هم أكبر الخاسرين، فلا أحد يربح في لبنان حين يصاب لبنان، وكلّنا يعرف الآن أنّ أوهام الخروج من حفرة 14 شباط 2005 كان أمراً مستحيلاً لولا لم نشاهد ذلك المجسم لمسرح الجريمة في قاعة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، هناك إنتهى ذلك النهار ذلك اليوم الطويل، أي 14 شباط 2005، ودخلنا إلى اليوم التالي أي الخروج جميعاً من حفرة الإغتيال، وكنا جميعاً نحتاج إلى يدٍ تمتدّ إلينا لتساعدنا على هذا الخروج مع أهلنا ووطننا وأحزابنا وطوائفنا من حفرة الجريمة النكراء ومن أوهامنا وضجيجنا ومهاراتنا وفضائياتنا، لنبدأ في مواجهة واقعنا ومصابنا في إنساننا وانسيابنا وتقدمنا واستقرارنا ودولتنا ووحدتنا وكياننا.
كان لا بدّ من تلك اليد الممدودة وفي تلك اللحظة، ومن لاهاي بالذات، كي لا تُستخدَم العدالة للإنتقام، وتصبح المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عبئاً علينا بعد أن كانت حلماً كبيراً، رأينا دونه الأهوال، لم يكن من الممكن الإنتظار، كان لا بدّ من أن نبدأ في اليوم التالي، فكانت تلك المبادرة الوطنية الشجاعة والإنقاذية والبالغة الدقة في توقيتها ومكانها ومضمونها، إذ بدأ معها يومٌ جديد سمعنا حوله الكثير من الضجيج ورأينا أعراضه على الصغير والكبير من أبناء الوطن الواحد وكيف تحرك الجمود وذاب الجليد وتقاطرت المبادرات واللقاءات والتموضعات الجديدة والإعتراضات،إلا أنني أعتقد بأنّ الكثيرين لا يدركون حتى الآن أهمية اليد الممدودة في تلك اللحظة الفارقة من حياتنا الوطنية، لقد إنتقلنا إلى اليوم التالي أي 15 شباط 2014.. أي أنّ الرابع عشر من شباط 2005 دام تسع سنوات، وأنّ كلّ أوهام تلك السنوات العجاف لا تنفع مع تحديات اليقظة القادمة والإحتياجات الملحة والطارئة للدولة والمجتمع والفرد والكيان.