“الجمهورية”: فك عُقدة “الداخلية” وعودة التفاؤل الحذِر ليلاً

كتبت صحيفة “الجمهورية”:

غريب أمر هذا التأليف الذي ما يكاد يصل إلى خواتيمه السعيدة حتى يعود إلى المربّع الأوّل، ولكنّ الملاحظ أنّه على رغم كلّ التعقيدات والصعوبات التي رافقت وما تزال مفاوضات التأليف، هناك إصرارٌ وتصميم على استيلاد الحكومة، فلا العقدة «العونية» في الطاقة عطّلت هذا المسار، ولا العقدة «المستقبلية» في الداخلية حالت أو ستحول دون الولادة الموعودة. وفي موازاة شدّ الأنفاس الحكومي أحيَت قوى 14 آذار في «البيال» الذكرى السنوية التاسعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وشهداء ثورة الأرز، حيث توجّه الرئيس سعد الحريري في كلمته إلى الطائفة السنّية بدعوتها إلى التمسّك بخيار الاعتدال، وإلى «حزب الله» بدعوته إلى الانسحاب من سوريا، وإلى المسيحيّين بتأكيده على رفض الفراغ الرئاسي.

نام اللبنانيّون على حرير “حكوميّ” وهم يُمنّون أنفسهم بولادة الحكومة الوطنية الجامعة التي طال مخاضها، وعند ساعات الصباح الأولى شخصت أنظارهم الى قصر بعبدا موعودين برؤية الرئيس المكلف تمام سلام حاملاً تشكيلته الوزارية ليضع مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عليها اللمسات الأخيرة قبل زفّ البشرى السارّة لهم، لكنّه لم يفعل، ومكث في داره في المصيطبة.

نهاراً

جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، وتبدّدت المعطيات التفاؤلية، وإن كان البعض راهن مُسبقاً على أنّ كلّ الأجواء التفاؤلية التي ضُخّت دفعة واحدة في الأيام الأخيرة مجرّد وَهم ليس إلّا، وأنّ الحكومة بعيدة المنال، فقرار تأليف حكومة جامعة “موجود”، لكنّ الدفع الى الخاتمة السعيدة “مفقود”.

وتعثّرت الولادة الحكومية مجدّداً بعدما استجدّت عقدة وزارة الداخلية نتيجة فيتو قوى الثامن من آذار عموماً و”حزب الله” خصوصاً على توزير اللواء أشرف ريفي في حقيبة الداخلية، في مقابل إصرار قوى الرابع عشر من آذار على تولّي الاخير الوزارة لا سيّما تيار “المستقبل” وقول أمينه العام أحمد الحريري إنّه “لن نقبل بغير ريفي وزيراً للداخلية.”

سليمان

وفي هذه الأجواء، برزت دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى عدم تفويت الفرصة على الإيجابيات التي تحققت والمناخات التي سادت، مُشدّداً على انّ التوافق بين الأفرقاء هو افضل من التشبّث بالطروحات، ويلغي تالياً مفاعيل الإستفزاز والتشنّج، كذلك يفتح الباب واسعاً لتجاوز مفهوم المحاصصة وتبادل الفيتوات، وذلك من أجل مصلحة الوطن وأمن المواطن.

وكشفت مصادر مطلعة لـ”الجمهورية” انّ سليمان أبلغ الجميع امس انّ “حبل المناورة قد بات قصيراً للغاية ولا يمكنه القبول بما يجري ويعكّر الأجواء”. ولفت الى انّه لن يسمّي وزراءه المرشحين لبعض الحقائب، وخصوصاً وزارة الدفاع التي قيل انّها من حصة الأورثوذكس، الأمر الذي يعاكس المداورة الشاملة، كون الوزير السابق للدفاع كان اورثوذكسياً، وبالتالي ليس منطقياً أن يسمّى نائب رئيس الحكومة سمير مقبل وزيراً للدفاع طالما إنّ الداخلية باتت للسنّة والخارجية للموارنة، بعد التفاهم على جبران باسيل، ولذلك فإنّ الإسم الجديد للدفاع لن يكشف عنه قبل صدور المراسيم النهائية.

كذلك أكّد سليمان انّه لن يقول الكلمة الفصل قبل ان يتسلّم تشكيلة وزارية كاملة وشاملة للتثبُّت من مدى تطابقها والمعايير التي حدّدها سابقاً، كما بالنسبة الى التوازنات التي يجب احترامها الى النهاية.

ريفي

وكانت الاتصالات ظلّت طيلة ليل امس الأول مفتوحة على الخطوط كافّةً حتى ساعة متأخّرة، حيث بعد أن تمّ الاتفاق على توزيع الحقائب بوشِرت عملية إسقاط الأسماء عليها، بعدما تبلّغ الرئيس المكلف من كلّ طرف اسماءَه للتوزير.

لكنّ سلام تبلّغ في وقت متأخّر من نادر الحريري انّ اللواء أشرف ريفي مرشّح “المستقبل” لتولّي الداخلية، ولدى اتّصال الحاج حسين الخليل، المعاون السياسي للأمين العام لـ”حزب الله” بسلام لإبلاغه بأسماء الحزب للتوزير، أبلغه بأنّ “المستقبل” مُصرّ على توزير اللواء ريفي في الداخلية، عندها سارع الخليل إلى إعلان الرفض مؤكّداً أنه ليس هذا ما اتّفقنا عليه، فما الذي تبدّل؟ فاستمهله سلام حتى الصباح لمعالجة الأمر.

لكنّ رئيس كتلة “المستقبل” فؤاد السنيورة اتّصل صباحاً بالرئيس المكلف وأبلغ اليه الإصرار على توزير ريفي، كذلك اتصل السنيورة برئيس مجلس النواب نبيه بري للموضوع عينه.

بدوره اتصل سلام ببري لينقل اليه جواب “المستقبل” فتبلّغ منه رفضه ورفض قوى 8 آذار بالتكافل والتضامن توزير ريفي.

«المستقبل» و«التيار الحر»

إلى ذلك، علمت “الجمهورية” من مصادر متابعة عن كثب للاتصالات بين “المستقبل” و”التيار الوطني الحر” أنّ “التقارب الحاصل بينهما جرى بمباركة ودعم أميركي، وأنّ السفير الأميركي في لبنان ديفيد هيل قام بجولات مكّوكيّة بين قيادتي التيارين من ثمّ استتبعها بزيارة الرياض من أجل إتمام هذه العملية”.

ولفتت المصادر الى أنّ “قبول “التيار الحرّ” بتوزير ريفي مقابل احتفاظه بالطاقة اغضبَ “حزب الله”، ما دفعَه الى عرقلة التأليف”. ولم تستبعد المصادر، في حال “استمرّت الأمور على هذا النحو، ان يصل “المستقبل” و”الحرّ” الى صيغة تفاهم تشبه ورقة التفاهم مع “حزب الله”.

ليلاً

وليل أمس، تبدّدت أجواء التشاؤم، وقاد رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط مساعيَ كثيفة على أكثر من خط، توّجت بالاتفاق على اسم جديد لتولّي حقيبة الداخلية، بعد ان سحب “المستقبل” اسم ريفي.

وعلمت “الجمهورية” أنّ قوى 8 آذار أبلغت سلام أن لا مشكلة عندها في توزير ريفي في أيّ حقيبة أخرى ما عدا الداخلية.

وقد فتحت المعطيات الجديدة الطريق امام إعلان التشكيلة الوزارية صباح اليوم وأخذِ الصورة التذكارية بعد الظهر، إذا سارت الأمور وفق المتّفق عليه.

وكان موفد جنبلاط الوزير وائل ابو فاعور زار عصراً بعبدا قبل ان يتوجّه ليلاً الى المصيطبة ليُطلع سلام على المقترح الجديد.

وأكّدت مراجع تواكب حركة المشاورات لـ”الجمهورية” أنّ المسعى الجديد “جدّي للغاية، وقد توّج ليلاً بموافقة كتلة “المستقبل” في اجتماع عقدته برئاسة السنيورة في “بيت الوسط” واستمرّ حتى منتصف الليل بتسمية مبدئية للنائب نهاد المشنوق وزيراً للداخلية بدلاً من ريفي الذي ستوكل إليه حقيبة أخرى، وذلك بعدما تمكّن جنبلاط من توفير إجماع حوله، بما فيه “حزب الله” وسائر الأطراف.

وتحدّثت المعلومات عن توزيعة جديدة للأسماء، واعتبرت أنّ اللوائح الإسمية للوزراء التي صدرت في الصحف أمس الأوّل قد تبدّلت في بعض الحقائب السيادية وأخرى نتيجة إعادة نظر تفرضها المخارج المؤدّية الى إعادة لملمة المواقف المتشنّجة وتصويب الأداء بالإتجاه الجامع.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل