تعثّر ولادة الحكومة بتشكيلتها “الخلاسيّة” المسرّبة، في لحظتها الأخيرة، يدلّ إلى عمق الإشكاليّة في الإنتماء والهويّة، وفي مشروع الدولة، ويضع علامة استفهام ثقيلة على الثابتة الأُولى في الدستور: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”.
الواضح أنّ بعض أطرافها يفضّل العدد على القيمة، والحصص على الأُسس، والمفاصلة على المفاضلة، والغنائم على المكارم، والمزايدة على المساندة. وحين لم يتوافر كلّ ذلك منع “حزب الله” تشكيلها، أو أخّره لتمرير شرط إضافي.
هذه الصيغة المعلّقة، يصحّ فيها الوصف بأنّها حكومة الأصدقاء – الأعداء، أو العشّاق – الألدّاء، أو المحاصصين – الأشدّاء. فلا شيءَ يجمعهم، لا المنطق ولا المنطقة. كلّ شيء يفرّقهم، من جبال القلمون ويبرود إلى جنيف، ومن لاهاي إلى “قدّيسيّ” الضاحية، ومن “لبنان أوّلاً” إلى “لبنان أخيراً”.
لا أحد يعرف سرّ هذا الهيام الطارىء والمتأرجح بين الأضداد. ربّ قائل إنّه الحرص على مصير لبنان المهدّد بألف خطر وخطر، ولكنّه لا يفسّر كيف تستطيع حكومة ملغومة بألف لغم ولغم، أن تفكّك الألغام التي يزرعها “شركاء” في الحكومة نفسها.
فكيف يُنقِذ لبنان من الحرب وارتدادات الأزمة السوريّة مَنْ يتورّط فيها من الوريد إلى الوريد، وكيف يبني دولة مَنْ حوّل مصير الوطن إلى حقيبة ومزاد علني في الحصص، وكيف يكافح الفساد من غرق إلى أُذنيْه فيه، وشتم سواه واتّهمه بكلّ موبقات “استحالة” الإبراء! ثمّ جلس إليه وبايعه، خاطباً ودّه لكسب وزارة “حلوب” من تحت، وكرسي “لعوب” من فوق؟!
الوزراء في الحكومة الجهيض، لهم هويّتهم طبعاً، بعضهم لبنانيّون بالفعل وبعضهم الآخر بالإسم. لكنّ الحكومة، إذا قُدّر لها أن تجتمع كجسم سياسي، ستكون بلا هويّة، بل خليط ألوان وأشكال وظلال لا تشكّل لوحة ذات معنى وقيمة.
ويزيد في لاهويّتها أنّ الأساس الذي تقوم عليه غير موجود، أي مرتكزات سياستها في وثيقتها الرسميّة، بيانها الوزاري. البيان المنتظر باقٍ في ظهر الغَيْب، وليس ما يدلّ إلى التزامه “إعلان بعبدا” أو خلوّه من الثلاثيّة الهدّامة، إلاّ بنوع من البهلوانيّة اللفظيّة التي تستبطنها عمليّاً.
أمّا الإنسحاب من الورطة السوريّة فمسألة لا تملك فيها الحكومة المأزومة أيّ دور وأيّ قدرة، بل قد تقدّم غطاء غير معلن لهذا التورّط. ففيها ثلث متورّط وثلث عاجز وثلث ساكت. وتحت العجز والسكوت يتابع الثلث الأوّل مشروع “وليّه”.
وأسوأ ما في تبرير الحكومة المقموعة، التخوّف من الفراغ الرئاسي، في حين أنّ طرفاً من أطرافها (بالحدّ الأدنى) يسعى إلى الفراغ كي يستمر في الحكم والتحكّم.
الفراغ يناسب جدّاً “حزب الله” وفريقه، طالما أنّه في حكومة تتولّى صلاحيّات الرئاسة، وله اليد الطولى في قراراتها، أو على الأقلّ، قادر على تعطيلها بالثلث “المموَّه”.
غير أنّ بارقة أمل وحيدة قد تمنح الحكومة، في حال إعادة إحيائها وتوليدها قيصريّاً، جنسيّة لبنانيّة لئلاّ تبقى حكومة ال”بدون” أو حكومة ال”بلا أوراق”، وهي أن يهبط الوحي على “حصّة عون” عند وضع البيان الوزاري، فيلتزم وزراؤه بتأييده المعلن والمكتوب لمذكّرة بكركي وينضمّ إلى فريق 14 آذار لإدراج مضمونها السياسي في صلب البيان الوزاري، فلا يبقى تأييده من باب المناورة والخداع والتكسّب.
وللتذكير فإنّ المذكّرة تنهض على أسس حاسمة أبرزها 3: تحييد لبنان على قاعدة “إعلان بعبدا”، حصر السلاح في القوى الشرعيّة، والتزام القرارات الدوليّة الخاصّة بلبنان.
فهل يصل كلام دَرَج بكركي إلى عتبة الحكومة ونصّ بيانها الوزاري، أَم أنّ نار “التفاهم” والحنين إلى بْراد قادرة على إحراقه؟!
الأكيد أنّ اختباراً قاسياً سيواجه عون بعد انتهاء سكرة الحصص في الحكومة. وقد بات هذا الاختبار مكشوفاً في التوفيق بين الإحتفاظ بتأييد “حزب الله” لمعركته الرئاسيّة وبين سعيه إلى “مكرمة” سعد الحريري في تحقيق الحلم الوردي.
في سوابقه، رهانات خاسرة دائماً، ولا شيء يضمن عدم تكرارها.
وليس في الأفق ما يشير إلى قدرته على انتزاع موافقة “حزب الله” على حصريّة السلاح وتحييد لبنان، بما يفرض انسحابه من سوريّا. فمنذ 8 سنوات كان باستمرار تابعاً في القرار السياسي وليس متبوعاً، ويغطّي تبعيّته، أو يقبض ثمنها، برفع عقيرته “المسيحيّة” الفارغة كصنجٍ يرنّ وطبل يطنّ، وبرفع سعر بطانته في حقائب “الدهن”.
لذلك، إنّ الأمل بأن تستعيد حكومة ال”بدون”، في حال إعادة بثّ الروح فيها، جنسيّتها اللبنانيّة، وترتدي مصلحة لبنان فقط، ليس كبيراً.
فمن الصعب، بل ربّما المستحيل، تصحيح ولادة مشوّهة يشوبها خلل عضوي.