قبل يومين من حلول الذكرى التاسعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، انهت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جلساتها على أن تحدد مواعيد لجلساتها المقبلة، وفتحت كثيراً من المغاليق، وبددت ما بددت من محاولات تضليل للتحقيقات بطريقة مخزية ومعروفة من الذين خططوا ونفذوا هذه الجريمة الإرهابية. ومَنْ لم يتابع فصول كل الأساليب التي اتبعت لتحويل الأنظار عن المرتكبين الحقيقيين؟ شهدنا فصولاً غرائبية، وكذلك صبيانية وإجرامية (اغتيال عدد من رموز 14 آذار) لترهيب المطالبين بانشاء المحكمة واستدامتها وفاعليتها. ومن لا يذكر أبو عدس والتمثيلية التافهة التي ركبت والتسجيل الصوتي بالصورة واعلان المسؤولية عن الجريمة: سُنّي يقتل الحريري! رائع! (والسنة حولتهم الوصايتان ارهابيين من كل أصقاع العالم العربي وغير العربي) ومن لا يتذكر الحُجّاج الاستراليين والفيلم الذي لفق لالصاق التهمة بهم: أيضاً حجاج سُنّة اغتالوا الحريري! وكان عليهم أيضاً ان يبحثوا عن سُنّة أبعد من استراليا وطورا بورا وخوزنستان وافغانستان ومصر والسعودية لكي «يهتدوا» بحسّهم العادل مجموعة أو شخصاَ يلبسونهم هذه التهمة لابعاد الشبهة عنهم. ومن لا يتذكر الأقاويل والمقالات في عدد من وسائل الاعلام «المقاومة» (السابقة)، والممانعة (الوهمية) والتي جهدت بطريقة غبية وسافلة معاً، في اتهام حتى الرئيس سعد الحريري باغتيال والده (راجعوا جريدة تشرين) وربما كانوا توصلوا (وقد اشاروا في مجازاتهم) ان الرئيس الشهيد قد استنحر نفسه بـ 2000 ك من المتفجرات.
أكثر: لو عدنا إلى تصريحات «مرتزقة» الوصايتين من صحافيين «صُفرِ الأوراق والوجوه والأصابع» (وهم عارٌ على الصحافة!) ومن سياسيين ومن حزبيين ومن عملاء… لذُهلت من هذا القدر الشنيع من التلفيق والكذب والتواطؤ، والذي يعتبر مشاركة فعلية في الجرم. لكن بعدما نفذت حُقبهم من «اختراع» اشخاص ومجموعات «سنية» اعتمدوا أخيراً على صيغة سحرية «اسرائيل قتلت الحريري لتُحدث فتنة» وهذه التهمة رافقت كل الذين اغتيلوا من رموز 14 آذار. نعم! اسرائيل. نسوا أبو عدس (تعرفون جيداً الجنرال الأمني الذي روّج لهذه الرواية) والحجاج وأهل الضحية وحتى الشهيد وسام الحسن (قتلوه وراحوا يشوهون سمعته وإلى حد اتهامه بقتل رفيق الحريري. (سني يقتل سنياً). إذاً، اعتمدوا اسرائيل بعد بحث طويل جدي واستراتيجي بين ايران والنظام السوري. ولكن اتبعوا القاعدة «الذهب»: اتهموا 14 آذار بالعمالة لاسرائيل ثم اتهموا اسرائيل باغتيالهم»! رائع! طبعاً تغيرت القاعدة اليوم «أحلوا» التكفيريين والارهابيين و… السعودية محل اسرائيل ليلصقوا بهم كل ما يرتكبونه. اسرائيل وُضعت «على الرف» لمساندتها النظام السوري ولأنهم يحتاجون دائماً إلى «عدو» فليس اسهل من تعيين «السعودية».. و»التكفيريين» في موضع الاتهام. (هذا ما فعلوا مع شاكر العبسي، أخرجوه من السجن وسلحوه وموّلوه.. وأرسلوه إلى مخيم نهر البارد ليشن حرباً على الجيش.. والناس. ثم اتهموا «المستقبل» بالوقوف وراء هذه الظاهرة: سُنة بسَنة). «فالعبابسة» (العبسي) والعدادسة (أبو عدس) والدعاعشة (داعش) ينظمون حركات ارهابية، (سنة) ثم يتهمون المعارضة وحتى بعض الأطراف اللبنانية بدعمها وتمويلها. هذا مسار طويل نعرفه عنهم جيداً منذ عام 1969 وحتى اليوم. لكن لعبة «الدعاعشة» فُضحت. وصارت مضحكة بل وغبية وتافهة. كل ذلك لكي يبثوا الفتنة في لبنان (ويستدروا عطف «الغرب» ومساندته لمكافحة الارهاب). ولبنان بلا فتن يعني بلا حاجة إلى وصايات. والوصايات لكي تبقى وصايات لا بد من ابتكار فتن. (هذا ما علمتنا إياه الحروب عندنا من 1969 إلى اليوم!). وهي لعبة استعمارية قديمة «فَرِق تسُدْ«! لكن عندما انعقدت المحكمة الدولية. لم يكن يتصور احدٌ من هؤلاء مدى الانجازات التقنية والفنية ودقة التحقيقات وتمحيص الوقائع… ومسرح الجريمة والاتصالات وربط كل هذه للوصول إلى كشوفات مذهلة. (مفتح هذه الطرائق الشهيد وسام عيد الذي قتلوه لأنه فتح قنوات جديدة استفادت منها المحكمة في نبشها، وإعادة تركيب العناصر والوصول إلى المرتكبين. (وسام عيد صاحب الريادة في فك رموز الاتصالات وجمعها، لادراك القتلة). وعلى امتداد وقائع المحكمة كم بَدَتْ أساليب «القتلة» صبيانية وبدائية وتافهة وهزلية في محاولة التنصل من مسؤولياتهم! كأنما جاؤوا من الجاهلية معتمرين الجَهل (واللؤم) إلى حداثة القرن الحادي والعشرين. وهذا من سوء طالعهم. لأنهم عندما قاموا باغتيال الحريري وبسلسلة الاغتيالات التي طاولت رموز 14 آذار، لم يدروا آنئذ ان التكنولوجيا ستكون «عدوهم» الأول، وشجاعة الشهود واصرار قوى 14 آذار… مقتلهم الثاني! فوجئوا بالانجازات الحديثة السحرية لكن لم يغيروا لا خطابهم الجاهلي الخشبي التنكي ولا حتى أساليبهم التخوينية التكفيرية الارهابية. ولعّل الجلسة المتعلقة بالشهود وبمسرح الجريمة كانت الأشد اثارة. وعرفنا بالمعلومات ان أحد الضباط الأمنيين مثلاً جاء في الحادية عشرة ليلاً (تأملوا هذه المواظبة الوظيفية) أي بعد 10 ساعات من ارتكاب الجريمة ليأمر بسحب كل القرائن والسيارات والآثار من مسرح الجريمة. ووضعها في أحد الكاراجات.
هكذا دفعته همته وهمة من أرسله أو ارسلوه لتضليل التحقيق. ونتذكر هنا طلب الرئيس المفدى اميل لحود من الناس بالعودة إلى اشغالهم.. وكأن هناك حادثة سير أو مشاجرة أو أي شيء آخر. هكذا. بكل بساطة. ذلك لأنهم اعتمدوا لطمس الأدّلة في جريمة الحريري ما اعتمدوه في اغتيال الرئيس رينه معوض. بعد ساعة أو ساعتين أخلي المكان من كل شيء. وتوقف التحقيق هذا اذا جرى تحقيق علماً بأن ملف اغتيال معوض فارغ: ولا أي ورقة. ولا أي حرف. ولا أي اشارة. لكن ما نجح في مسألة معوض إلى حين على الأقل فشل في قضية الحريري. فالزمن تغير. فهناك كانت الوصاية السورية مسيطرة على كل المفاصل الأمنية والسياسية والقضائية (نتذكر الرفيق عدنان عضوم والعضومية المشهورة) بينما ادى اغتيال الحريري إلى ثورة الأرز… بل إلى أول ربيع عربي في هذا البلد، وقد حررت الجماهير المدن والشوارع واسقطت الوجود العسكري السوري، وكان للجماهير المدنية الرائعة ان تساهم المساهمة الكبرى بوعيها وشغفها وإيمانها وحسها الوطني والسيادي ان تقاوم كل محاولات طمس الجريمة لتصل إلى انشاء المحكمة الدولية. فهذه الأخيرة تدين بقيامها إلى جماهير 14 آذار وشهدائها ورموزها وكتابها وصحافييها.. وإلى الزمن الجديد الذي افتتح في هذا البلد الصغير الذي عاش المآسي التي راكمتها عليه الوصايات المختلفة وعملائها «الاثيريين»!) صحيح ان 8 آذار (المربوطة برسن الوصايتين…) قد نجحت جزئياً بسلاح حزب الله وميليشيات النظام السوري في لبنان، (بدعم اسرائيلي خفي وماكر) بلجم اندفاعة 14 آذار بالاغتيالات والعراضات و7 أيار… وصولاً إلى قمصانهم الأكثر سواداً منهم، إلاّ انهم وبقدر ما كانوا يظنون انهم قادرون على «إزالة» أو محو أو ابادة المناحي السيادية والاستقلالية والديموقراطية… والحرية، كانوا يتراجعون في ساحاتهم نفسها (تأملوا اين صار الجنرال ميشال عون وحتى حزب الله بعد تنفيذه الواجب الجهادي الايراني للانخراط في الحرب السورية ضد الشعب السوري دفاعاً عن نظام البراميل المتفجرة والكيماوي والمذابح والتهجير الديموغرافي المنظم. وهذا ما فعله «ستالين» وماوتسي تونغ وهتلر وصدام حسين وايران! واسرائيل). كل هذا يمكن ان يحيلنا على الأوضاع الجديدة في لبنان: اصرار 8 آذار على تفشيل قيام الحكومة السلامية. وعدت في البداية كعادتها. بحل بعض المسائل بينها وبين «جنرال المقاومة» (وكان في نهاية الثمانينات عميلاً اسرائيلياً بالنسبة اليهم) كوزارة الطاقة لكن بلا جدوى. او ارادوا «المفاوضات» بينهم وبين المطالب بالنفط لأنه اكتشف في لبنان بوحي مسيحي من فوق وبوكالة عونية من تحت مجرد الهاء، وخدعة.
وفي هذا السياق عارض الحزب ما يشير إلى عدم اعطاء 14 آذار لا الداخلية ولا الدفاع لتضاف شروط إلى شروط. وعندما حاول الرئيسان سليمان وسلام وضع حل لهذا الفراغ اتهموهما بالخروج على الميثاق وبالتهويل… ليلقوا بتبعية الفشل على كل 14 آذار على الرغم من التنازلات «الانسانية» (بالنسبة الى الرئيس سعد الحريري) والتسهيلات لازالة عقبات عون وعائلته من وجه تأليف الحكومة ذلك ان حزب الخراب المسلح في لبنان تعتبر كل هذه «الازمات» مجرد تفاصيل في مشروعه الالغائي لكيان لبنان، ولجمهوريته وتعدديته وسيادته.. ليصبح فعلاً احدى الولايات الايرانية كما صرح مسؤول ايراني قبل اشهر . لا مجلس نواب. لا حكومة. لا نواب. لا محكمة. لا محاكمة. لا محاسبة. لاشيء: العدم! فحسب! الخراب! فحسب! الاندثار التام للدولة تحت كل استئثار الارهاب المسلح الذي تغذيه ايران والنظام السوري. يريدون البلد. هذه هي القضية. واللبنانيون يواجهون بمقولة «يكون البلد او لا تكون»: تكون السيادة او لا تكون» «تكون العدالة أو لا نكون» «انها صرخة» المجتمع المدني في وجه المجموعات الارهابية الرسمية» مجموعات «القمصان السود». ومن اجل التذكير بكل ذلك ترسيخاً لواقع الأمر الواقع الميليشيوي انتشر بعض زعران القمصان السود وربما بعض مجرمي «سرايا العدوان» في بعض مناطق بيروت قبل أيام بطريقة استعراضية توحي وكأن هناك 7 أيار جديداً… اذا أُلِّفت الحكومة الدستورية لكن هذه العراضات باتت هزلية. تذكرنا بالصور الكرتونية المتحركة… وببعض شبيحة الأحياء وبلطجيتها. فكأنما لا يكفي ما استجره الحزب الالهي على بيئته ولبنان من تفجيرات ارهابية بسبب قتاله (وقتله) في سوريا… والهجرة المعاكسة من الضواحي إلى الجنوب وأمكنة أخرى وربما بلدان أخرى (كأنما بداية دياسبورا شيعية جديدة تذكر بالدياسبورا المسيحية بسبب ممارسات الميليشيات في السبعينات والثمانينات) كأنما لا يكفي كل ذلك، بل واضافة إلى تعريض «بيئته المحضونة قسراً» للتفجيرات ونسف العلاقة بينها وبين المكونات اللبنانية الأخرى، ومحاول استئصال «هويتها» الالفية في هذا البلد ها هو الحزب، وبعدما عطل الدولة والبرلمان يريد ان يشل قدرات بيئته ايضاً: فاذا كان هناك ازمة اقتصادية واجتماعية في كل لبنان بسببه فهذه الأزمة ادهى وأخطر في الضاحية الجنوبية! كأنما يريد ان يعمم الخراب. كأنه بات «شمشون» الذي يهدم المعبد عليه وعلى اعدائه.. وعلى أهله ومواطنيه. حزب انتحاري! نعم! انه في اعلى نقطة ممكنة من الحالة الانتحارية سواء في سوريا او في لبنان.
كل ذلك اجتمع معاً: المحكمة الدولية التي سجلت نجاحاً مذهلاً في مسارها إلى كشف القتلة وافشال الحكومة افشالاً خبيثاً (إلا اذا عمد الرئيسان إلى تحطيم تابوهات التهويل والسلاح وتأليف حكومة دستورية) ثم التفجيرات ثم تمرغ الحزب في الدماء السورية ثم محادثات جنيف التي لا يبدو انها سهلة على المدى القريب…
«جوجلوا» هذا الوضع بهدوء تجدوا ان حزب الله هو سوبر ستار الخراب في المحكمة وفي التفجيرات وفي سوريا وفي تأليف الحكومة وفي استعادة مناخات 7 أيار: فما هذا الحزب الذي على قدر ما هو «اساس» المشاكل هو في الوقت ذاته على الطريق التي لن تؤدي سوى إلى نهايته.. أسوة بالميليشيات التي سبقته. بل كأنه لا يستفيد مما يجري في العالم العربي ولا في لبنان ولا في بيئته ذلك لأنه اذا وعى «ما يجب» وعيه فالخطورة ان القرار الإيراني يمحو كل وعي فاعل عنده!
قلنا انه قبل يومين من حلول الذكرى التاسعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وَفَّت المحكمة بعهودها ووفى مناضلو 14 آذار بوعودهم المدنية في افشال كل محاولة لتضليل المحكمة… كما سيفي اللبنانيون ما تعاهدوا عليه من الاستمرار في معركة العدالة والحرية والسيادة… وربيع الديموقراطية في وجه الطغاة والقتلة والعملاء!
جاءت المحكمة لينتصر دم الشهداء والربيع العربي!