#dfp #adsense

وثيقة بكركي… واصبح للمسيحيين مشروع سياسي

حجم الخط

كل مرة واجه الكيان اللبناني خطراً وتهديداً، كانت بكركي السبّاقة إلى قرع ناقوس الخطر وأخذ زمام المبادرة، وكانت رأس الحربة في معركة الدفاع عن لبنان ورسالته ودوره ومجابهتها المخاطر المحدقة به. لم تتأخر بكركي يوماً ولم تتردد في قول كلمة الحق وفي اشهار سيف الايمان وفي إعلاء شأن الوطن وصيانة وحدته وسيادته عند كل مفترق حاسم ومرحلة مصيرية.

ومن الطبيعي ان تطل بكركي وترفع صوتها وتقول كلمتها في هذه المرحلة الدقيقة المقلقة المليئة بالصراعات والانقسامات التي من شأنها ان تقوّض استقرار البلاد. ومن الطبيعي في مرحلة مفصلية راهنة ان تصدر البطريركية المارونية مذكرة وطنية هي الثالثة في تاريخها لتعيد التأكيد على الثوابت والمبادىء التي قام عليها لبنان، وتطرح الهواجس وترسم أسس المستقبل وتحدد الأولويات.

مخطىء من يقلل من شأن مذكرة بكركي الوطنية التي أذاعها  البطريرك مار بشارة بطرس الراعي قبل أيام، ومخطىء من يستخف بها وبقدرتها على تغيير الواقع والتأثير في مجرى الاحداث. فهذا النوع من المذكرات ليس معداً لظرف راهن وليس مفصلاً على قياس أحزاب أو سياسيين أو ملفات واستحقاقات عابرة ومذكرة بكركي ليست مرحلية ولا ظرفية. أهدافها بعيدة المدى ومفاعيلها تتجاوز اللحظة السياسية الراهنة لتحفر في الوجدان الجماعي وتتوغل وترسم آفاقه ومصالحه. انها وثيقة تاريخية جاءت في الوقت المناسب وبالمضمون المناسب والمتناسب مع طبيعة المرحلة وتحدياتها.

1 – في عز احتدام الصراع السني – الشيعي في المنطقة وتمدده إلى لبنان، لا يسع المسيحيون ان يبقوا متفرجين لا مبالين أزاء صراع يحاصرهم وسيكونون من ضحاياه عاجلاً أم آجلاً، وانما هم مطالبون بتحديد موقفهم وموقعهم. وهذا ما فعلته مذكرة بكركي عندما شددت على حياد لبنان وتحييده عن الصراعات والأزمات والمحاور الاقليمية وعدم السماح باستعماله مقراً أو ممراً أو منطلقاً لأي عمل من شأنه ان يورطه في هذه الصراعات أو في أزمات تتنافى وخصوصيته.

صحيح ان الوثيقة شددت على معادلة ” لا شرق ولا غرب ” التي هي في أساس الميثاق الوطني للعام 1943، ولكن ما عنته بالحياد في هذه المرحلة هو تحييد لبنان عن الصراع المستعر في المنطقة ويأخذ للأسف طابعاً مذهبياً. وعندما تنادي وثيقة بكركي بالحياد الإيجابي فأنها لا تقصد بالحياد في الصراع العربي – الاسرائيلي أو بين العرب واسرائيل ولذلك شددت على أحقية القضية الفلسطينية والالتزام بها، وانها هي تقصد وتعني الحياد في الصراع العربي – الأيراني، السني – الشيعي الذي وللأسف اصبح طاغياً وحوّل الأنظار عن الصراع التاريخي والقضية المحقة…

مذكرة بكركي تحدد الدور والموقع الطبيعي للمسيحيين في هذه المرحلة وفي هذا الصراع. فهم لا يمكن ان يكونوا في موقع الطرف والتابع لهذا الفريق أو ذاك ولا في موقع المتلقي، ولا يمكن ان يكونوا إلا في موقع المبادر وفي دور الجسر الحواري الذي يقرّب ويوصل بين طرفي الصراع. وكم هم المسيحيون بحاجة اليوم إلى ان يحددوا موقفهم وموقعهم مما يجري وان يدركوا اهمية دورهم في اعتناق مذهب ” الحياد الأيجابي” والبنّاء…

2 – أفاض المسيحيون على امتداد سنوات وتحديداً في مرحلة ما بعد الطائف في الشكوى والتذمر و ” النّق ” والنقمة، وصدرت عن مرجعياتهم الدينية والسياسية الكثير من البيانات والوثائق والندوات التي كانت تكتفي غالباً بتوصيف الواقع عاكسة مشاعر الاحباط والخيبة… وأهمية مذكرة بكركي انها انطلقت من الواقع لا لتسلّم به وتستسلم له وانما لتغيّره وتسير به نحو ” مستقبل أفضل “… فلم تكتفِ بتوصيف المشكلة وانما وضعت لها حلولاً، ولم تقتصر على التنظير والنظريات وانما كانت وثيقة عملية باقتراحاتها وأفكارها التي وضعت النقاط على الحروف وحددت مكامن من الخلل والخطر ورسمت ” خريطة طريق ” …

3 – لطالما كان المسيحيون يُعيّرون بانهم لا يعرفون ولا يحددون ماذا يريدون. وهم ساهموا في ترسيخ هذا الانطباع بدل تبديده عندما كانوا يتساءلون دائماُ عن ” أي لبنان نريد “.

أهمية ما صدر عن بكركي أنه حدد لبنان الذي يريده المسيحيون بكل أبعاده التاريخية والميثاقية والسياسية وحدد ما يريده المسيحيون عملياً بكل وضوح وصراحة وبعيداً عن المفاهيم والمقولات المستهلكة. هم يريدون:

–       الإيمان بالكيان اللبناني والمشروع اللبناني الحضاري القائم على الحرية والمساواة في المشاركة وحفظ التعددية.

–       قيام الدولة العادلة القادرة المنتجة والالتزام بها فعلاً لا قولاً.

–       حصرية القوة العسكرية في يد الشرعية باستكمال بناء جدّي لجيش عصري.

–       حياد لبنان الإيجابي وتحييده عن الصراعات بين المحاور الاقليمية والدولية.

–       تطبيق المناصفة الفعلية في المشاركة المسيحية – الاسلامية في الحكم والادارات.

–       وضع قانون إيجابي جديد يترجم المشاركة الفاعلة في تأمين المناصفة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين ويلغي فرض نواب على المسيحيين بقوة تكتلات مذهبية أخرى.

–       إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة وتطبيقها لأنها تعطي المناطق صلاحيات أوسع وتعزز المشاركة المحلية وإدارة أفضل للتنوع في الوحدة.

–       تطوير الطائف وسد الثغرات الدستورية والاجرائية التي ظهرت في تجربة ممارسة الحكم بما في ذلك صلاحيات رئيس الجمهورية تأميناً لأستقرار النظام وتلافياً لتعطيل آلة الحكم.

هذه أبرز الخطوط العريضة التي تضمنتها مذكرة بكركي وغيرها كثير من العناوين والأفكار ومن دون إغفال الخطوات الملحة في هذه المرحلة وأهمها انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة المحددة دستورياً واستئناف الحوار الوطني.

4 – لطالما اجتمع المسيحيون تحت سقف واحد وعلى طاولة واحدة ولكن لم يكن يجمعهم مشروع سياسي واحد. وحتى عندما التقى الاقطاب الموارنة تحت سقف بكركي بجهود ورعاية البطريرك الراعي كان ينقصهم المشروع الواحد القائم على وحدة الهدف والمصير مع تنوع الأساليب والوسائل. والآن أصبح للمسيحيين مشروع سياسي ووطني جامع ومتكامل ويعتبر عن حق الأفضل والأنسب والمعبّر عن رأي وتطلعات الأكثرية الساحقة والصامتة من المسيحيين واللبنانيين. وهذا المشروع لا تنقصه إلا خطط عمل وآليات تطبيقية تنقله إلى حيز التنفيذ ليصبح واقعاً دستورياً وقانونياً وسياسياً. وبالتالي فان بكركي تكون بعملها ومبادرتها أسدت للاحزاب والقوى السياسية خدمة كبيرة وسهّلت مهامها وعملها بان حددت لها الإطار العام والسقف السياسي والمبادىء الأساسية تاركة لها هامش وحرية الحركة في التفاصيل والتطبيق.

5 – برهنت البطريركية المارونية عبر هذه المذكرة عن امتلاكها روح المبادرة الوطنية والدور القيادي المرجعي وعلى أساس الخط التاريخي لبكركي الذي لا تغيّره ظروف وأوضاع ومعادلات أو أشخاص. كما أثبتت بكركي انها تسمو فوق كل الخلافات والصراعات والمصالح ولا يمكن لأحد ان يصنفها سياسياً ويحجّم من دورها وموقعها… وهذا هو ” ربيع الكنيسة ” الذي أزهر مع اعتلاء البطريرك الراعي سدة البطريركية وأثمر مشروعاًَ وطنياً راقياً يليق بالمسيحيين وتطلعاتهم وتضحياتهم وللبنان الصيغة والعيش المشترك و ” الوطن الرسالة ” .

ان هذه الوثيقة التاريخية والتي أيدها الفاتيكان على لسان سفيرها في لبنان المونسنيور غابريالي كاتشا الذي قال حرفيا في حديث إذاعي: ان الفاتيكان تلقى المذكرة بفرح كبير ونحن نؤيدها كونها ترتكز ايضاً على ما قاله قداسة الحبر الأعظم أمام السلك الدبلوماسي في 13 كانون الثاني، والفاتيكان يتشارك والبطريركية والكنيسة المارونية الرؤية ذاتها لمستقبل لبنان.

كما أيد الوثيقة مطارنة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك والرؤساء والرئيسات العاميين للرهبانيات الذين عقدوا اجتماعاً برئاسة منسق المجلس المطرن ايلي بشارة حداد وناقشوا فيها مضمون هذه الوثيقة التاريخية وأيدوها واعتبروها موقفاً وطنياً جامعاً.

ان هذا التأييد الكبير والذي جاء من رأس الكنيسة يحتم على جميع السياسيين المسيحيين في لبنان ايضاًَ الالتزام بهذه الوثيقة  والعمل من وحّيها لحماية المسيحيين وإبعاد الخطر عنهم في ظل هذه الاوضاع الخطيرة والحساسة التي تعيشها المنطقة وفي ظل ما يتعرضون له في العراق وسوريا وفلسطين ومصر.

في الختام لا بد لي من القول شكراً لبكركي، شكراً لغبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، شكراً للسادة الأساقفة الموارنة على هذه الوثيقة التي تأتي في هذا الزمن الصعب لتشكل مدخلاً آمناً لإيجاد الحلول لما نعيشه في هذه المرحلة الخطيرة والأزمة الراهنة بتعقداتها وتداعياتها السياسية والأمنية والاجتماعية والأقتصادية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل