
كتبت صحيفة “اللواء”:
تعقد «حكومة المصلحة الوطنية» أول جلساتها غداً في قصر بعبدا لتشكيل لجنة تتولى صياغة البيان الوزاري، تمثل فريقي 8 و14 آذار، على أن يتولى الفريق الوسطي دور ضابط الإيقاع، على نحو ما حصل من أدوار في عملية تأليف الحكومة التي ارتضت كل الكتل والأطراف والتيارات ان تنضوي ضمنها لمنع انحدار لبنان الى «منطقة الفراغ القاتل»، في مرحلة بالغة الخطورة في سوريا.
واذا كان اللبنانيون والبيروتيون على وجه خاص عبروا عن ارتياحهم وترحيبهم بولادة الحكومة بعد 309 أيام على تكليف الرئيس تمام سلام، فإن يومي الأحد والاثنين، كانا بمثابة ساعات استراحة وتقبل تهاني، بعد الأشهر العشرة التي حفلت بالاتهامات والتقلبات والتفاهمات والانتظارات.
وبصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة التي عمد كل فريق إلى اجرائها، سواء في الغرف المغلقة، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي والبيانات الصحفية، فإن مرحلة طويت ومرحلة جديدة بدأت، يترتب على البيان الوزاري ان يحدد مهامها ومعالمها بعد السنوات الثلاث التي كادت تهدد الوحدة والاستقرار وعلاقات لبنان العربية، لا سيما الخليجية منها، فضلاً عن مخاطر الفراغ والسيارات المفخخة، وانشغال اللبنانيين بخطابات الإنقسامات والتهديد والوعيد.
وانسجاماً مع آمال اللبنانيين وطموحاتهم في الانتقال الى مرحلة جديدة من التلاقي والانفتاح، وفقا لتعبير الرئيس سلام، فإن رئيس الحكومة يستهل نشاطه الرسمي في اليوم الأول بعد التشكيل، من السراي الكبير، حيث يجري التسلم والتسليم بين الرئيسين نجيب ميقاتي وسلام، ايذاناً بإطلاق ورشة العمل الحكومي، وبدء التسلم والتسليم في الوزارات، على أن يُنجز البيان الوزاري في فترة زمنية قصيرة تسمح بمثول الحكومة امام المجلس النيابي لنيل الثقة ضمن مهلة الشهر أو أقل التي يجيزها الدستور.
وبرزت ثلاثة مؤشرات توحي بانطلاق سلسل للعمل الحكومي، سواء في كلمة الرئيس سلام، بعد صدور المراسيم السبت الماضي، أو في كلمة الامين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، أو التفاهمات التي هي في حوزة الوسيط الاشتراكي الوزير وائل أبو فاعور لاعداد البيان الوزاري على نحو يتسم بالايجاز والاختصار، على أن يتضمن مهمات الحكومة في المرحلة المقبلة.
1 – وفقاً للرئيس سلام، فان الحكومة يتعين عليها «تأمين الأجواء اللازمة لاجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، وإحياء الحوار الوطني حول القضايا الخلافية، في إشارة إلى الاستراتيجية الدفاعية وموضوع المقاومة».
وقال الرئيس سلام أن هذه الخطوات تهدف إلى تشكيل شبكة أمان سياسي، وتسعى إلى إنجاز الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها، وترسيخ الأمن الوطني، والتصدي لكل أنواع الإرهاب، كما تسهل معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشائكة، وأبرزها تنامي اعداد النازحين من الأخوة السوريين وما يلقيه من أعباء على اللبنانيين.
2 – ورأت مصادر نيابية في كلام السيّد نصر الله لمناسبة الشهداء القادة في الحزب، مخرجاً مقبولاً بصيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»، إذ قال: «نحن ندعو ونتمنى ان يأتي الوقت الذي يصبح فيه الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة التي تتولى حماية لبنان وتتحمل مسؤولية الدفاع عن لبنان في وجه العدو الإسرائيلي، ونؤيد تزويده بأي سلاح نوعي من أجل هذه المهمة».
ووصف نصر الله الحكومة بأنها حكومة تسوية، لكنها في الوقت نفسه حكومة مصلحة وطنية، ونتطلع أن تكون حكومة تلاقي وحوار، ولن تكون حكومة متاريس، وسنذهب إلى مجلس الوزراء بهذه الروحية.
3 – اما الوزير أبو فاعور، فتضمنت اشارته إلى بيان وزاري مختصر وغير فضفاض يتجنب النقاط الخلافية.
وفيما قالت أوساط الرئيس سلام لـ «اللواء» أن من سهّل ولادة الحكومة قادر على تدوير زوايا البيان الوزاري، في إشارة إلى الفريقين اللذين تعاونا لإخراج الصيغة الحكومية، بالحقائب والأسماء، وفق ما خرجت به السبت، قالت أوساط سياسية في بعبدا لـ «اللواء» انه «من المبكر الحديث عن أن مناقشة البيان الوزاري ستخلق مشكلة داخل الحكومة، أو أن صوغه سيتسبب بإشكال بين الفريقين، مشيرة إلى ان الجهد منصب على كيفية استثمار عملية قيام الحكومة الجديدة، وإلى ان الرئيس ميشال سليمان أبدى ارتياحه الكامل لها، موضحة أن هذا الامر أضحى حاجة ماسة لجميع اللبنانيين بعدما أظهرت الوقائع ان تأليف الحكومة ينعكس بشكل مباشر على موضوع الاستقرار، متسائلة: كيف يمكن إبقاء الوضع مستقراً والمحافظة على الوضع الهادئ من دون مرجعية حكومية؟
ولفتت المصادر إلى أن الحكومة أتت وفق المعايير الواضحة التي قامت من أجلها، أي كانت سياسية وجامعة وعادلة ومتوازنة في توزيع الحقائب وفي التمثيل السياسي لكافة الفرقاء. اما بشأن الحديث عن خرق مبدأ المداورة، فقد أتى ذلك لأسباب تتصل بعملية التلاقي الوطني، وعلى الرغم من ذلك فقد عمدت إلى تثبيت مبدأ المداورة في الحكومات المستقبلية الا إذا حصل عكس ذلك.
ودعت إلى عدم القول بأنها ستكون حكومة متاريس، مؤكدة أن الحكومة من شأنها خلق منبر للتلاقي السياسي بين جميع الفرقاء، مشيرة إلى أن أياً من المصالحات الإقليمية يستدعي وجود آلية في لبنان تعكس هذه المسألة، لافتة إلى ان مجلس الوزراء الذي يضم قوى سياسية مختلفة لها ربما ارتباطات بقوى خارجية او إقليمية يسهم في نقل هذه المصالحات، خصوصاً وأن المظلة الدولية في لبنان لا تزال قائمة.
اما بالنسبة للجلسة الأولى للحكومة التي ستعقد قبل ظهر الثلاثاء في بعبدا، فان الوقت القصير الذي ستستغرقه هذه الجلسة لن يسمح بأن تشكّل اختباراً لمشاركة هذه القوى في الحكومة، حيث ستشهد الجلسة كلمة لكل من الرئيسين سليمان وسلام، يلتقيان فيها على أهمية التعاون لإنجاح عمل هذه الحكومة وبذل الجهود للتحاور.
وإذا كان اللافت ان الحكومة الجديدة التي ولدت بعد مخاض عسير على قاعدة الثلاث الثمانات التي وقعها الرئيس سلام منذ اليوم الأول للتكليف، والتي أسماها البعض «حكومة التناقضات»، فإنها عكست في الوقت نفسه تغييراً في التوازنات داخل السلطة السياسية اللبنانية، مع عودة فريق 14 آذار إلى الحكم بعد خروجه عام 2011 نتيجة اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بداية عام 2010 وتشكيل حكومة اللون الواحد برئاسة الرئيس ميقاتي، وهذا التغيير تولي ارتياحاً ايجابياً على الشارع اللبناني الذي أمل أن تمنح الحكومة الجديدة الوضعين الأمني والاقتصادي اهتماماً خاصاً لحاجة البلد لمثل هذا الاهتمام.
ومن هذه الزاوية، يفترض أن يكون الفريقان أي 8 و14 آذار رابحين من عملية التأليف، وان كانت بعض الأطراف داخل الفريقين عبرا عن انزعاجهما، وهو ما برز في شكل واضح لدى 8 آذار، سواء من خلال موقف الوزير السابق وئام وهاب، وموقف اللواء جميل السيد، فيما شكل تمثيل حزب الكتائب بثلاثة وزراء، بمثابة تغطية لتمثيل «القوات اللبنانية» معادلة وازنة تجاه الحجم التمثيلي الذي خرج به العماد ميشال عون راضياً بأربعة وزراء مع حقيبتين ثقيلتين.
وبطبيعة الحال، نالت كتلة «المستقبل» ما كانت تريده سواء على صعيد التمثيل أو الحقائب، اذ استعادت حقيبتي الداخلية والعدلية بشخص وزيرين يمثلان ثقلاً شعبياً وسياسياً قوياً، هما النائب نهاد المشنوق واللواء أشرف ريفي، وبالتأكيد فإن الرجلين سيكملان عمل بعضهما من الناحية الأمنية، ويتكامل معهما الوزير بطرس حرب في حقيبة «الاتصالات»، والحقائب الثلاث كلها تجعل الملف الأمني في عهدة قوى 14 آذار ومدعاة اطمئنان لها.