ثالثاً، لماذا الإصرار على تظهير أنّ القرار لا يؤخذ بالتوافق داخل 14 آذار، وأنّ إرادة «المستقبل» يجب أن تنفّذ من دون مراعاة موقف الحلفاء، علماً أنّ التباينات داخل أيّ تحالف، عدا عن كونها صحّية، يمكن استخدامها لتحسين شروط التفاوض، والدليل عون الذي نجح في كسر المداورة والحصول على الخارجية، ولولا موقف الحزب الداعم له لكان ارتضى إمّا القبول على مضَض بالشروط التي كانت موضوعة عليه، أو الخروج من الحكومة؟
رابعاً، لا بدّ من أن يقود التفرّد في لحظة ما إلى انفراط أيّ تحالف، لأنّ للسكوت حدوداً، وإذا تمّ استثناء التحالف الرباعي، لأنّ جعجع كان في المعتقل، فما حصل في الـ»سين-سين»، و»كلّنا تحت سماء لبنان» بعد انتخابات 2009، والمشاركة في الحوار، واليوم في الحكومة، أمر غير مقبول، كما لم يعُد جائزاً الاستمرار على هذا النحو.
خامساً، ليس مهمّاً ظهور جعجع المرّة تِلو الأخرى بالموقع المستقلّ وغير التابع، لأنّه أساساً مستقلّ وغير تابع، إنّما المهمّ أن يفسح «المستقبل» في المجال أمام جعجع لانتزاع المطالب السياسية التي رفعها، لأنّ نجاحه يعني نجاحاً لقوى 14 آذار مجتمعةً.
سادساً، من الخطأ تحميل الحريري وحدَه مسؤولية التجاوزات والاستئثار بالقرار السياسي الحاصل، لأنّ جعجع يتحمّل بالتكافل والتضامن معه هذه المسؤولية عبر ترييحه من قبيل «أنّ الخلاف الحكوميّ لن يؤثّر على وحدة 14 آذار»، فيما لو هدّد جعجع بفرطعة «14 آذار» في حال المشاركة من دونه، لكانت، ربّما، اختلفت المسألة. فلو لم يلوّح عون مباشرة وغير مباشرة بفكّ التحالف مع «حزب الله»، لما كان تضامنَ معه الحزب.
سابعاً، لا يمكن تشبيه المرحلة السياسية الحاليّة بالمرحلة التي سبقت اعتقال الدكتور جعجع في العام 1994، لسبب بديهيّ وهو أنّ البلاد كانت ممسوكة حينذاك من النظام السوري، فيما هي خاضعة اليوم لتوازن إقليمي، ومصيرُها معلّق على نتائج المفاوضات السورية والنووية، فضلاً عن أنّ قرار المشاركة في الحكومة لم يأتِ نتيجة تسوية دولية-إقليمية أو قرار إقليمي، إنّما دوافعُه وأسبابه الموجبة محلّية بحتة.
ثامناً، من بديهيات التفاوض التعامل بالمِثل، بمعنى أنّ وضع فيتو على أشرف ريفي في الداخلية كان يجب أن يقابله، على سبيل المثال، وضع فيتو على جبران باسيل في الخارجية، لأنّ الفيتو يُرَدّ عليه بفيتو.
تاسعاً، التنازلات التي أقدَم عليها «14 آذار» الحكومي في التأليف ستشجّع «8 آذار» على انتزاع المزيد منها في البيان الوزاري، لأنّ هذه التنازلات أعطت انطباعاً وكأنّ «المستقبل» يريد الحكومة بأيّ ثمن.
عاشراً، بما أنّ المفاوضات الرئاسية تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من المفاوضات الحكومية، لم يكن مستحسناً من الرئيس الحريري، لمعايير تفاوضية لا فقط مبدئية، تسليف المرشّحين من خارج «14 آذار»، فيما كان الأولى الاحتفاظ بهذه الورقة حتى الدقائق الأخيرة وبيد مسيحيّي «14 آذار» لا غير.
ويبقى السؤال ختاماً: هل سيُصار إلى تصحيح هذا المسار، أم أنّ الشوائب في العلاقة مرشّحة للاتّساع؟ واستطراداً كيف يجب التصدّي لهذا الوضع؟ 
