التقيت مع وليد جنبلاط أمام مستشفى الجامعة الأميركية وقلت له أنا طالع على بكركي ورح إنعيه من فوق كشهيد كل لبنان
قلت للبطريرك صفير أتمنى عليك أن ترسل مطراناً يمثّلك لحضور لقاء المعارضة. فقال لي بتمرق على المطران مطر وبتروح إنت وياه
“من شهيد 14 أيلول الى شهيد 14 شباط” بهذه العبارة تأكدت وحدة الدم في مواجهة دولة الوصاية
أي دور لعبته بكركي في تغيير اللحظة التاريخية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عندما كان الخوف يسيطر على عقول كثيرة والإرهاب يضرب ضربته الكبرى؟ ماذا حصل بين وليد جنبلاط وفارس سعيد عند باب مستشفى الجامعة الأميركية؟ وماذا فعل فارس سعيد في بكركي وكيف أرسى البطريرك صفير جسر العبور الى لبنان الجديد؟ الدكتور فارس سعيد يستعيد لحظات تلك الساعات الحرجة.
كانت الساعة الثانية والنصف تقريبًا في 14 شباط 2005. كان يوم الاثنين. شمس شباط تحاول أن تزرع بعض الدفء. ولكن غيمة التفجير الكبير ونيرانه غطت على شمس ذلك النهار. ساعتان ونصف مرتا على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تأكد الخبر. نقلت الجثة الى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت مع جثث كثيرة أخرى ومع عدد من الجرحى. تحوّل المستشفى والباحات الخارجية والمداخل والممرات فيه الى ما يشبه خلية النحل الضائع الذي يبحث عن خبر. عن سرّ. عن أمل. ولكن كل ما كان يوجد هناك خيبة أمل.
بين هذا الحشد المتصدع على أبواب المستشفى الذي احتضن جثث شهداء تفجير 14 شباط تجمع سياسيون كثيرون. جاؤوا يتأكدون. كانوا يتوقعون أن يحصل مثل هذا الأمر منذ محاولة اغتيال مروان حماده. معظمهم كان محبطاً وخائفاً. مشهد الموت كان مرعبًا في أرجاء المستشفى. امتد من وسط بيروت من حفرة السان جورج الى كل أرجاء لبنان.
تلك الساعة التقى أمام مدخل المستشفى إثنان، وليد جنبلاط وفارس سعيد. كان الاعتقاد السائد أن الموت سيلف لبنان كله بعتمته ولن يرتفع صوت معارض بعد اليوم. ولكن لم تكن تلك النهاية بل البداية.
يقول الدكتور فارس سعيد: “عندما تم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعدما تأكدنا من الخبر ساد شعور في تلك اللحظة أن كل شيء انهار. ولكن للتاريخ أحبّت الناس أم لم تحب، الذي وقف على رجليه وقتها زلمي اسمه وليد جنبلاط. التقيت أنا وإياه أمام مستشفى الجامعة الأميركية. بيت الحريري كان وضعهم مأساويًا. ما في حدا. الشباب أولاد الحريري مش هون. زوجته نازك مصدومة ومذهولة. شقيقته بهية مضطربة وخائفة ومذعورة. قلت لوليد جنبلاط: شو؟
قال: قتلوه.
قلت: شو بدك نعمل؟
قال: شو رأيك.
قلت: أنا طالع على بكركي ورح إنعيه من فوق كشهيد كل لبنان وشهيد استقلال لبنان. وسأربط اغتياله ببشير الجميل وبكمال جنبلاط وبكل الذين اغتيلوا في ظروف مشابهة. وسألته: إنت شو رح تعمل؟
قال: أنا سأعمل اجتماعًا للمعارضة في قريطم.
قلت: في منزل الرئيس رفيق الحريري؟
قال: في منزل الرئيس الحريري. ولكن بلّغني إذا كان البطريرك صفير سيرسل مندوبًا.
ذهب وليد جنبلاط الى قريطم وتوجهت أنا الى بكركي. كنت أنا وسيمون كرم وكان معنا جو باحوط. كان الخبر السيئ سبقنا الى الصرح البطريركي. من فوق كان يمكن متابعة مشهد بيروت الحزينة التي تلفها الغيمة السوداء. دخلنا لعند البطريرك صفير. كان حزيناً ولكنه كان متماسكاً كما عرفته دائمًا. كان يكنّ احترامًا كبيرًا للرئيس الشهيد وقد التقاه أكثر من مرة وكان ثمة انسجام بينهما منذ زيارة البطريرك صفير الى الجبل في العام 2001. كان سيّد بكركي يشعر من دون أن يفصح مباشرة أن ضربة كبيرة وجهت الى الحركة الاستقلالية الاعتراضية الجديدة التي أسس لها منذ نداء المطارنة الموارنة في 4 أيلول من العام 2000. وكان يعرف أن المسار الذي بدأ منذ ذلك العام يجب أن يتم. وأن ما حصل في قرنة شهوان ومعها من مدّ جسور الى الطرف اللبناني الآخر يجب أن يستمر وأن الجسر يجب أن يبقى قائمًا وأن تتم عملية حمايته من الانهيار وعمليات القصف التي كان يتعرض لها. ولذلك كان يجب أن يشكل اغتيال رفيق الحريري جسرًا آخر لهذا الالتقاء. وكانت بكركي حاضرة لتقف الموقف الصح وتدخل على الاتجاه الصح وعلى الطريق الصح وأن تعيد بناء هذا الجسر”.
نقل سعيد أجواء الحدث الأمني والسياسي الى البطريرك صفير الذي لم يكن غريبًا عنها. كان يدرك في حدسه الخطر الكبير الذي يتهدد لبنان وأن اغتيال الرئيس الحريري اغتيال للبنان كله وللدور الذي كانت تلعبه بكركي في ظله وببركته ورعايته. منذ تأسيس قرنة شهوان كان يدرك مع هذا الحدس أنه سيؤسس للحظة التاريخية التي ستنقذ لبنان وستعيد إليه حريته وسيادته ولذلك لم يكن عنده أي تردد في ركب موجة الرد على الاغتيال باغتيال الأهداف التي بنيت على إلغاء رفيق الحريري من الخارطة السياسية.
قال له سعيد: سيدّنا القصة هيك هيك. التقيت وليد جنبلاط وقلت له إنني سآتي إليك وسأنعي رفيق الحريري شهيدًا للبنان من هذا الصرح وهو سيذهب الى قريطم لنعقد اجتماعًا للمعارضة. أنت تعرف من دون شك أهمية هذه اللحظة التاريخية وأنت تعرف لا شك أن اللبنانيين ينتظرون هذا الموقف من بكركي. أتمنى عليك أن ترسل مطراناً يمثلك لحضور لقاء المعارضة. لبنان يستأهل هذه المشاركة. والحدث يستوجب أن تكون بكركي حاضرة. ورفيق الحريري شهيدنا نحن أيضًا. شهيد لبنان الواحد.
لم يتردد البطريرك صفير. ربما هو فكر أيضًا بهذا الأمر قبل أن أطرحه عليه. قلت له: “سيدّنا بدنا ياك تبعت معنا مطران على قريطم”.
يتذكر الدكتور سعيد أنه طرح اسم المطران يوسف بشارة لأنه رمز قرنة شهوان. ولكن البطريرك صفير قال له: لا يا ابني. بتروح بتمرق على المطران بولس مطر لأنو مطران بيروت”.
يعلق سعيد: تصوَّر إديش كان البطريرك دقيق بعدم تخطي البروتوكول الداخلي في الكنيسة. قال لي: بتروح لعندو من قبلي أنا وبتروح إنت واياه”. قوّاني موقف البطريرك. الإحباط أمام الجامعة الأميركية محاه البطريرك صفير بلحظة. كان علينا أن ننجح في عملية الرد الكبير على الاغتيال الكبير من منزل الرئيس رفيق الحريري في قريطم. أدركت بعد لقائي مع البطريرك صفير أن اللحظة التاريخية التي عملنا لها لن تموت، ولن تقضي اغتيالاً مع رفيق الحريري وأن هذا الاغتيال سيكون سببًا لقيامة لبنان. ربما هي المرة الأولى التي ينعى فيها زعيم مسلم بمستوى رفيق الحريري من أهم صرح مسيحي في لبنان وفي الشرق ومن أهم بطريرك مسيحي مر على لبنان على الأقل خلال المئة سنة الماضية ربطاً مع المرحلة التاريخية التي رافقت عهده.
خرجت من عند البطريرك صفير وكانت مي شدياق على تلفزيون الـ”إل بي سي” تواكب انعكاسات ما بعد اغتيال الرئيس الحريري. أخدونا مباشرة على الهواء. قلت: لقد التحق الرئيس رفيق الحريري بقافلة شهداء لبنان وربطت اغتياله باغتيال المفتي حسن خالد وكمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوّض وكل الاستقلاليين الكبار. نزلت بعدها الى عند المطران مطر في مطرانية بيروت وتوجهنا معًا الى قريطم حيث انعقد اللقاء الشهير للمعارضة بكل وجوهها التي تعالت على ضخامة الحدث وفداحته لتكون بمستوى رد الفعل عليه. اتهمنا مباشرة النظام الأمني اللبناني السوري بالاغتيال وطلبنا بألا تشارك دولة هذه الوصاية في تشييع الرئيس رفيق الحريري لأنه ليس مأتمًا رسميًا. أردناه أن يكون مأتمًا شعبيًا. كان الشيخ بيار الجميل بقربي. خرجنا من الاجتماع ولكن جو الخوف لم يكن قد تبدّد بعد. كان عدد الناس المجتمعين خارج قريطم لا يزال قليلاً. قلت للشيخ بيار: “إذا دم رفيق الحريري ما رح يثبت المسلمين بهالمعركة يعني خسرنا المعركة الى ما لا نهاية”.
يتابع سعيد: في اليوم التالي نزلنا الى جريدة “النهار” لعند جبران تويني لننتظر المأتم الكبير الذي سيحصل. بدأت طلائع التظاهرات الشعبية تمهد للمشهد الكبير. متظاهرون يتدفقون من بيروت الغربية يهتفون: لا إله إلا الله وبشار عدو الله. فورًا عندما شاهدت هذا المشهد حسّيت إنو ربحنا الاستقلال. خلصت الصفحة الماضية. من بيروت الشرقية كانت تصل التظاهرات الشعبية الأخرى. أعلام “القوات” و”الكتائب” وأعلام لبنان مرفوعة. والهتافات مسموعة. سيادة. حرية. استقلال. صور رفيق الحريري والأعلام اللبنانية وحّدت المتظاهرين. هذا الحشد أطلق الانتفاضة ومهّد لمشهد أكبر في 14 آذار.
المشهد الآخر الذي كان ملفتاً أكثر بعد ذلك كان اللقاء على ضريح الرئيس رفيق الحريري. إكليل ورد أرسله الشيخ نديم الجميل كتب عليه: “من شهيد 14 أيلول الى شهيد 14 شباط”. بهذه العبارة تأكدت وحدة الدم وأصبحنا متساوين في مواجهة دولة الوصاية وفي مغامرة استعادة السيادة والحرية والاستقلال.
كيف علم الدكتور سمير جعجع في السجن باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟
يقول الدكتور جعجع: لما صارت محاولة اغتيال النائب مروان حماده كانت واضحة عندي الرسالة من وين ولمين. متل ما هو مفهوم هلق. الرسالة كانت من الجانب الآخر. كانت رسالة تحذيرية لوليد جنبلاط تا ما يبعد أكتر بالمنحى اللي بلّش ياخدو وقتها. اعتبرت إنو هالطرف الآخر بلّش يحسّ بالسخن وصار عندو نقطة ضعف بعد القرار 1559.
لما طلع هالقرار بأيلول 2004 نقلوني على غرفة جديدة على وجّ الأرض. يومتها بـ 14 شباط بسمع حركة عجيبة غريبة وما بيطلعوني عالتمشاية. عرفت في شي صار بالبلد. بس شو بالتحديد؟ ما بعرف وين راحت أفكاري؟ على مين كنت مفكر الخطر الأكبر؟ على وليد جنبلاط. بس شفت إنو ما أخدوني عالتمشاية وصارت هالحركة الكبيرة بفرع التحقيق تأكدت إنو فعليًا صار شي وإذا هيك بدّو يكون اغتيال وليد جنبلاط. هيك تصوّرت. ما عرفت شي ليلتها.
نطرت تاني يوم. كان في مواجهة مع ستريدا وأهلي. بلاقي أهلي طالعين وحدن. من وصلتن أكتر وأكتر تأكدت صار شي بالبلد. كيفكن؟ مناح. قبل ما إسأل أي شي تاني. قالتلي إمي: عرفت؟ عرفت؟ معتّر قتلوه لرفيق الحريري. أنا بالفعل كانت مفاجأة كتير كبيرة بالنسبة لإلي لأن ما كنت منتظرها. لأنو كنت معتبر مدري ليش إنو شو ما كان يكون ولا ممكن حدا يتعاطى مع رفيق الحريري بهالشكل. لأنو رجل كل عمرو يتعاطى مع الأحداث من زوايا مختلفة. تفاجأت جدًا. وبذات الوقت زعلت جدًا نظرًا للعلاقة اللي كانت بتربطني فيه وللدور الكبير اللي كان عم يلعبو. طلع عندي هيك متل ثورة بنفسي إنو كل ما واحد عارض سياستهن بيروحوا عليه وبيغتالوه. بعدين لما بلّشت الانعكاسات تكبر شفتها هيك متل كرة تلج عم تكبر بشكل هائل، عرفت إنو فتنا بمرحلة جديدة. خلال التشييع وبعد الشي اللي صار اعتبرت إنو خلص بلّشت بالفعل مسيرة التحرير لأنها مسيرة جدية ومنطلقة من تحت وطلوع. من القواعد الشعبية اللي كان صار لها سنين وسنين معباية. منطلقة بحركة صعبة حدا يقدر يواجهها. اعتبرت إنو خلص آن الأوان.
