نصرالله.. والشعارات المصطنعة
على الرغم من الخطاب المسهب الذي قدمه الامين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله اول من امس، الا انه لم يكن مقنعاً ليس فقط بالنسبة الى «اعدائه» وانما الى جمهوره وبيئته الحاضنة التي بدت «مهزومة»، ان صح التعبير، امام محاولات نصرالله تبرير التراجعات التي قام بها الحزب لصالح تشكيل الحكومة مع تأكيده ابقاء ميليشيا الحزب في سوريا، على الرغم من كون ذلك المشكلة الرئيسة في تهديد حياة الابرياء في المناطق التي يهيمن عليها.
لقد مر خطاب نصرالله بهدوء ولم يكن حدثا في الحياة السياسية اللبنانية التي تنحو نحو استعادة الهدوء بعد التوتير والى المرونة بعد التصعيد رغم استخفاف «حزب الله» بضرورة حماية اللبنانيين من حروبه الاستباقية التي يخوضها في سوريا ويستجلبها الى لبنان.
يوضح عضو كتلة «المستقبل» النائب خالد زهرمان لـ«المستقبل» ان نصرالله استحضر في خطابه القضية الفلسطينية التي غابت عن خطاباته السابقة، مستذكراً العدو الاسرائيلي، وعاد لتبرير تدخله في الحرب السورية، وكل ما ساقه في خطابه كان في هذا السياق، وهو لم يستطع اقناع احد بما ورد ولو كان صحيحاً انه ذهب لمحاربة التكفيريين، فما معنى ان هؤلاء لم يقوموا بتفجيرات في تركيا او في الاردن، الموضوع واضح عندما لا تتدخل تركيا او الاردن المجاورتان لسوريا في الحرب الداخلية فلا تحصل التفجيرات، وان التفجيرات في لبنان هي بسبب تدخل «حزب الله» في سوريا، وهو الذي استجلب الحالات التكفيرية الى لبنان ويبدو انه ما يزال مصراً على وجوده هناك ولا يريد الخروج من سوريا، وهذا يعني ان هذا الموضوع سيكون عنوان تجاذب بين فريقي 14 و8 آذار وسينعكس في البيان الوزاري، اذ ان اساس النقاش الذي سيحصل في اللجنة التي ستشكل من اجل صياغة البيان الوزاري هو مقولة الجيش والشعب والمقاومة، التي يرفضها فريق 14 آذار.
واعتبر ان «موضوع تشكيل الحكومة جاء نتيجة القرار الايراني وليس القرار الداخلي لحزب الله، ومن هذا المنطق ذهب نصرالله في خطابه نحو التهديدات الاسرائيلية وقضية فلسطين ليغطي التراجع الذي قدمه الحزب في موضوع الحكومة».
ويشير الى ان جمهور «حزب الله» انقسم تجاه هذا الخطاب، «فقسم منه وافقه وغض النظر عن خياراته، فيما هناك قسم آخر يعيد حساباته ويسأل الى اين سنذهب وان تورط الحزب في سوريا يسبب كوارث له في بيئته الحاضنة، اما بالنسبة الى جمهور 14 آذار فكان واضحا ان خطابه لم يكن مقنعاً، خصوصا انه وقع في تناقض واضح عندما اثنى على قرار المملكة العربية السعودية بمعاقبة كل شخص يذهب للقتال خارج الحدود فيما هو يقاتل في سوريا»، وبتصوره ان «هناك فترة تهدئة مع حكومة التسوية كما اسماها نصرالله في خطابه، الى حين ان تتوضح الصورة في المنطقة نتيجة الضغوط الدولية لتمرير استحقاق الحكومة وهناك فترة مهادنة نحن مقبلون عليها، وقد يكون من الصعب ضبط التفجيرات اذا واصل حزب الله قتاله في سوريا كما اعلن نصرالله انه يكون حيث يجب ان يكون، لان المسببات لا تزال موجودة وبالتالي فإن المعالجات الامنية تخفف ولكن لا يمكن ان تقضي على هذه الظواهر، ولذلك لا بد من ازالة المسببات حتى تستطيع القضاء على هذه التفجيرات، وبالتالي اذا لم يدر نصرالله اذنه الى الداخل اللبناني ويتراجع عن خياره في القتال في سوريا فإن المشكلة ستبقى قائمة».
اما الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي فيجد ان «خطاب نصرالله في الظاهر متشدد، ويكتنف في مضمونه تراجعات اذا لم نقل انتكاسات، اذ حاول تبرير تنازلاته بالنسبة الى الحكومة، ولم يستطع اخفاء انزعاجه وامتعاضه من حصول فريق 14 آذار على الوزارات الاربع الاساسية، اي الداخلية والعدل والاتصالات والدفاع وعدم قدرته على التأثير فيها بشكل مباشر، هذا ما يمكن قراءته في هذا الخطاب، كونه سمى هذه الوزارات بالاسم وكأنه يحملها مسؤولية ولكن في الحقيقة هو يعبر عن انزعاجه من التسوية التي فرضت ذهاب هذه الوزارات الاربع الى غير يد حزب الله».
ويعتبر ان «التناقض الاخطر في خطابه برز في مسألة مشاركته وتورطه في الحرب في سوريا وكلامه عن المملكة العربية السعودية، فهو عملياً شكر ونوه بالقانون السعودي الذي نص على معاقبة كل من يحارب في سوريا وفي الخارج وهو يعلن تورطه اكثر في سوريا، اذ كيف ننوه بدولة تدين وتعاقب وتراقب كل مواطن من مواطنيها يذهب للمحاربة في سوريا وهو يرسل المزيد من المقاتلين اليها وقد قال نصرالله «سنكون حيث يجب ان نكون»، طبعاً في خطابه ضرب النأي بالنفس الشعار الذي كانت حكومته قد رفعته لتحييد لبنان وضرب اعلان بعبدا ومذكرة بكركي الوطنية، وعلى هذا المستوى كان نصرالله ينسف كل مفاهيم الدولة والسيادة والحياد والنأي بالنفس وكل الوثائق التي كان هو قد وقع عليها مثل اعلان بعبدا».
ويقرأ الزغبي في ما قدمه نصرالله في خطابه على المستوى الداخلي، محاولة لاظهار حرصه على التسوية التي تمّت، معتبراً اياها بداية حوار لإنهاء الخصومات، وكان واضحاً انه يتراجع، فحزب الله دخل لعبة احجار «الدومينو» منذ فترة وتشكيل الحكومة كان حجر دومينو آخر يسقط. ومسلسل التراجعات مثل احجار الدومينو لا يتوقف وطبعاً تراجعه بالنسبة للحكومة لم يكن خياراً شخصياً او ذاتيا، بل نتيجة شيء ابعد من ذلك، نتيجة توافق دولي لم يعلن بعد بين موسكو وواشنطن على قطع ورقة بشار الاسد».
وبرأيه ان «الاسد لن يعود رئيساً لسوريا في ايار، هناك توافق ضمني روسي اميركي تم إبلاغه الى ايران التي تعيش هذا الاحتمال وهي ترتب الآن وضع حزب الله، اي انها تحاول التخفيف من الخسائر قدر الامكان في ورطته بسوريا، كونها المسؤولة عن ذلك، ومن محاولاتها التخفيف من خسائر الحزب هو تشكيل الحكومة اللبنانية، فأي قارئ، متشائما كان ام متفائلا يعرف ان فريق 14 آذار قدم بالشكل بعض التنازلات، اي جلوس الرئيس سعد الحريري الى طاولة واحدة مع حزب الله ولكن في المضمون حققت 14 آذار خطوة متقدمة ونجاحاً والانعكاس الاول لتشكيل الحكومة سلباً بدأ في صفوف 8 آذار وصرخة جميل السيد اول الغيث، كيف تسلمون وزارتي العدل والداخلية، لكن الاخطر هو لعبة النائب ميشال عون لجاذبية الرئاسة، لا الاقتناع، فهو يحاول كما يبدو التقرب من الرئيس سعد الحريري حتى انه سمى الحكومة حكومة «اعتدال»، من المعتدل سوى 14 آذار وممثلي الرئيس ميشال سليمان والرئيس تمام سلم، ووصفها ايضاً بحكومة «التطبيع»، فمن الواضح أن الجنرال عون يحاول لعب لعبة الرئاسة. وهذه المحاولة تزيد البعد بينه وبين «حزب الله»، وتؤدي الى تعميق ازمة الثقة مع الحزب».
ورأى ان «حزب الله» امام اختبار البيان الوزاري واذا ذهب البيان سلباً امام تسوية «الثلاثية» واغفال بيان بعبدا سوف يبدأ الخلاف مع 14 آذار، ولكن المشاكل ظاهرة عند فريق 8 آذار بين عون وسليمان فرنجية وبين عون والرئيس نبيه بري، بين عون و«حزب الله»، وطلال ارسلان غير مرتاح كذلك.
بالامس حاول نصرالله ان يلملم قليلاً التصدعات داخل 8 آذار بقوله ان هناك اطرافا وازنة كان يجب ان تمثل بالحكومة ولكنه يقصد ارسلان وآل كرامي والخسارة الكبيرة للحزب على مستويين الاول التنازلات المؤلمة التي قدمها بخسارة 4 وزارات محورية والثاني علاقته داخل 8 آذار».
والواضح كما يقول الزغبي ان «ايران ارادت ترتيب وضع «حزب الله»، لان بشار الاسد لن يبقى، وان نصرالله اغفل في خطابه كل مبررات تدخله في سوريا التي تحدث عنها سابقاً حماية اللبنانيين الشيعة او الدفاع عن المقدسات والسيدة زينب وحماية المقاومة، وقال فقط انه سيكون حيث يجب ان يكون».